الأُولى عن اللحياني، فهو مَقْرُوءٌ. أَبو إِسحق النحوي: يُسمى كلام اللّه تعالى الذي أَنزله على نبيه، صلى اللّه عليه وسلم، كتاباً وقُرْآناً وفُرْقاناً، ومعنى القُرآن معنى الجمع، وسمي قُرْآناً لأَنه يجمع السُّوَر، فيَضُمُّها. وقوله تعالى: إِنَّ علينا جَمْعه وقُرآنه، أَي جَمْعَه وقِراءَته، فَإِذا قَرَأْنَاهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، أَي قِراءَتَهُ. قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: فإِذا بيَّنَّاه لك بالقراءة، فاعْمَلْ بما بَيَّنَّاه لك .. ((لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)): عقل الشيء: فهمه وتدبره ..
((وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4).)) .. وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ: في اللوح المحفوظ .. قيل: الحَكِيمُ ذو الحِكمة، والحَكْمَةُ عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. ويقال لمَنْ يُحْسِنُ دقائق الصِّناعات ويُتقنها: حَكِيمٌ، والحَكِيمُ يجوز أن يكون بمعنى الحاكِمِ مثل قَدِير بمعنى قادر وعَلِيمٍ بمعنى عالِمٍ. الجوهري: الحُكْم الحِكْمَةُ من العلم، والحَكِيمُ العالِم وصاحب الحِكْمَة. وقد حَكُمَ أي صار حَكِيماً .. والحكمة: صواب الأمر وسداده ..
((أَفَنَضْرِبُ عَنكُمْ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5) .. )) والمعنى هل نترك عنكم العذاب لأنكم كنتم قوما مسرفين .. وصَفْحَةُ الرجل: عُرْضُ وجهه. ونظر إِليه بصَفْحِ وجهه وصُفْحِه أَي بعُرْضِه .. والصَّفْحانِ والصَّفْحتانِ: الخَدَّان، وهما اللَّحْيانِ. وصَفْحَتا العُنُق: جانباه. واستْصَْفَحَه ذنبه: استغفره إِياه وطلب أَن يَصْفَحَ له عنه. وأَما الصَّفُوحُ من صفات الله عز وجل، فمعناه العَفُوُّ؛ يقال: صَفَحْتُ عن ذنب فلان وأَعرضت عنه فلم أُؤَاخذْه به؛ وضربت عن فلان صَفْحاً إِذا أَعرضت عنه وتركته؛ فالصَّفُوحُ في صفة الله: العَفُوُّ عن ذنوب العباد .. ونصب قوله صَفْحاً في قوله: أَفَنَضْرِبُ عنكم الذِّكْرَ صَفْحاً؟ على المصدر لأَن معنى قوله أَنُعْرِضُ عنكم الصَّفْحَ؛ وضَرْبُ الذَّكْرِ رَدُّه كَفُّه؛ وقد أَضْرَبَ عن كذا أَي كف عنه وتركه؛ وفي حديث عائشة تصف أَباها: صَفُوحُ عن الجاهلين أَي الصَّفْح والعفوِ والتَّجاوُزِ عنهم؛ وأَصله من الإِعراض بصَفْحَه وجهه كأَنه أَعرض بوجهه عن ذنبه. والصَّفُوحُ من أَبنية المبالغة. وقال الأَزهري في قوله تعالى: أَفَنَضْرِبُ عنكم الذِّكْرَ صَفْحاً؟ المعنى أَفَنُعْرِضُ عن أَن نُذَكِّرَكم إِعراضاً من أَجل إِسرافكم على أَنفسكم في كفركم؟ يقال صفح عني فلانٌ أَي أَعرض عنه مُوَلِّياً ..
((وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (7) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ (8).)) .. أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا: البَطْش: التناول بشدة عند الصَّوْلة والأَخذُ الشديدُ في كل شيء بطشٌ؛ بَطَشَ يَبْطُش ويَبْطِش بَطْشاً. وفي الحديث: فإِذا موسى باطِشٌ بجانب العرش أَي متعلق به بقوَّة. والبَطْشُ: الأَخذ القويّ الشديد. وفي التنزيل: إِذا بَطَشْتُم بَطَشْتُم جبَّارين؛ قال الكلبي: معناه تَقْتُلون عند الغضب. وقال غيره: تَقْتُلون بالسوط، وقال الزجاج: جاء في التفسير أَن بَطْشَهُم كان بالسَّوط والسَّيْف، وإِنما أَنكر اللَّه تعالى ذلك لأَنه كان ظُلماً .. ((وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ)):
والمَثَلُ: الحديثُ نفسُه .. وهو في هذا المقام العقوبة التي حلت بالكافرين في كل مكان وزمان إلى قيام الساعة التي لا شك فيها إطلاقا ..
((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9).)) .. مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ: والخَلْقُ في كلام العرب: ابتِداع الشيء على مِثال لم يُسبق إِليه: وكل شيء خلَقه الله فهو مُبْتَدِئه على غير مثال سُبق إِليه: أَلا له الخَلق والأَمر تبارك الله أَحسن الخالقين .. ((خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)): العَزِيزُ: من صفات الله عز وجل وأَسمائه الحسنى؛ قال الزجاج: هو الممتنع فلا يغلبه شيء، وقال غيره: هو القوي الغالب كل شيء، وقيل: هو الذي ليس كمثله شيء. ومن أَسمائه عز وجل المُعِزُّ، وهو الذي يَهَبُ العِزّ َلمن يشاء من عباده. والعِزُّ: خلاف الذُّلِّ .. ((الْعَلِيمُ)): علم علما: أدركه بحقيقته وكنهه .. من صفات الله عز وجل العَلِيم والعالِمُ والعَلاَّمُ؛ قال الله عز وجل: وهو الخَلاَّقُ العَلِيمُ، وقال: عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادةِ، وقال: عَلاَّم الغُيوب، فهو اللهُ العالمُ بما كان وما يكونُ قَبْلَ كَوْنِه، وبِمَا يكونُ ولَمَّا يكُنْ بعْدُ قَبْل أن يكون، لم يَزَل عالِماً ولا يَزالُ عالماً بما كان وما يكون، ولا يخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى، أحاطَ عِلْمُه بجميع الأشياء باطِنِها وظاهرِه ادقيقِها وجليلِها على أتمّ الإمْكان ..
((الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10).)) .. الأَرْضَ مَهْدًا: مَهَدَ لنفسه يَمْهَدُ مَهْداً: كسَبَ وعَمِلَ. والمِهادُ: الفِراش. وقد مَهَدْتُ الفِراشَ مَهْداً: بَسَطْتُه ووَطَّأْتُه. يقال للفِراشِ: