ومع الكون والحياة ومع الله الواحد الذي لا شريك له .. وصبر ومصابرة واستقامة على نهج الهدى الذي لا عوج له .. ولذلك قال أهل العلم ومنهم ابن المسيب: بشأن قوله تعالى لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ((وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12).)) .. هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ((ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)) - الفتح: 2 .. ومع ذلك تبقى الآيات الكريمة عهدا للإستقامة على نهج الهدى بعبادة الله الواحد لا شريك له .. والإنذار كل الإنذار لمن سيخسر نفسه .. ليس نفسه فقط بل وأهله .. يوم القيامة .. بسبب إشراكه وإصراره على الخطإ والكفر والضلال .. فالحياة الأخروية حق لا شك فيه .. وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا .. فأين المهرب؟ .. ولماذا المغالطة؟ .. إن الخسارة الحقيقة الدائمة هي خسارة الآخرة .. ((قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ.)) .. أبان الشيء: اتضح فهو مبين .. ترى لماذا يغالط الإنسان نفسه .. ولماذا يركب رأسه؟ .. ولماذا يعاند وهو متأكد تمام التأكد في قرارة نفسه أنه ميت .. وأنه راحل طال الزمن أم قصر .. وان هذه الحياة قصيرة مهما طالت وقليلة مهما كثرت .. ألا تأخذه عبر الماضي؟ .. ألا تستبد به عبر الحاضر؟ .. ألا يختلي بنفسه يوما أو بعض يوم؟ .. أو ساعة أو بعض ساعة للتأمل والتفكر والإعتبار وتغيير المسار؟ .. إن الحياة الحقيقة ليست هي التي نعيشها بما فيها من مشاكل وهموم وأحزان .. وبما فيها من تمزق وضياع .. إن ضحكت يوما عبست أياما .. وإن سعدت يوما شقت أسابيع .. إن الخوف كل الخوف من استمرار الأمل الكاذب .. والمغالطة التي تردي في الهلاك .. ((لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِي (16) ... )) .. لا منجاة إلا في مخافة الله والعمل بطاعته واستحضار تلك الصور الغوامض لضروب العذاب والهموم التي لا تنتهي يوم القيامة .. حتى ينتهي كل امرئ عن الإشراك والمعاصي والإنحراف .. وحتى يتخذ سبيل الإسلام والخير والبركة والنماء ..
الحياة ليست عبثا ولا صدفة مقيتة بل هي امتحان وأمانة ومسئولية وليسأل كل إنسان نفسه وليحاسبها .. وليتخذ الإله الحقيقي المنعم الخلاق العليم الرحيم دون سواه متوجها إليه بالطاعة والعبادة والتطبيق سرا وعلنا دون مواربة .. ((وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي (17) .. )) .. والطاغوت هو كل معبود غير الله .. الصنم طاغوت .. الشيطان من إنسان وجن طاغوت .. الهوى طاغوت .. المصلحة طاغوت .. كل شيء معبود أو يلغي عن عبادة الله الأحد الذي لا شريك له .. هو طاغوت مهما كان وأنى كان مكانا وزمانا إلى قيام الساعة التي لا شك فيها إطلاقا .. هؤلاء الذين ابتعدوا عن عبادة ما سوى الله .. بماذا يبشرهم الله؟ .. ومتى تتحقق لهم البشرى؟ .. إن السمع أمانة فلماذا لم تسمع به الحق والقرآن وكلمة التقوى .. ولماذا لم تتبع أحسن كلام وأحسن منهج وأحسن طريقة للحياة في الدنيا والآخرة؟ .. ((الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (18) .. )) .. الألباب م اللب: وهو العقل الخالص من الشوائب. ولُبُّ الرَّجُل: ما جُعِل في قَلْبه من العَقْل .. وقد وضع الله فيك عقلا لتفكر. ولتختار.,, ولتطبق ولتتحمل نتائج اختارك الواعي المسئول .. ((أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19) لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20) .. )) .. مفارقة واضحة وصارخة في مستوى الإختيار .. والنتائج .. فنتيجة الإختيار الدنيوي للدين ولنهج الحياة هي نتائج للآخرة .. وكانت نتائج الآخرة من جنس الفعل والجنس .. وشتان بين العذاب والنعيم .. بين الشقاء والسعادة .. وغريب أمر الإنسان السادر في غيه الذي لا يرعوي .. بينما وعد الله حق لن يتخلف .. ومن أصدق من الله وعدا وحديثا .. هذه الدنيا التي نتعلق بها لا تساوي يوم القيامة جناح بعوضة .. فعليك بالتوبة والأوبة والحوبة والإخلاص لله الواحد الذي خلقك .. وأنعم عليك بنعم لا تحصى ولا تعد .. قبل فوات الأوان .. يومها لا ينفع ندم .. ولا رجوع .. ولا توبة يومها .. يومها إما الجنة أبدا أو النار أبدا .. فماذا تختار؟ .. هل تختار الفاني أم الباقي؟ .. هل تختار وعد الصدق من الله العزيز الحميد الشكور .. أم تختار السراب والقفر اليباب من المتع الزائلة التي لا بقاء لها؟ .. وأمامك الأرض وأمامك الأمم .. وأمامك الأفراد حياتهم عبرة وعظات فعدل المسار .. واختر الأحسن والأوفق والأروع بما يرضي الله لا بما يرضي غير الله وتوكل عليه فهو حسبك .. والحسب بمعنى الكفاية نعم المولى ونعم النصير .. تأمل الحياة كيف تنمو ثم كيف تتنامى ثم تموت؟ .. تأمل الماء من أين يأتي