تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصَّوْبَ ولا تَظْلِمْ عنه أي لا تَجُرْ عنه. وقوله عزَّ وجل: إنَّ الشِّرْكَ لَظُلم عَظِيم؛ يعني أن الله تعالى هو المُحْيي المُمِيتُ الرزّاقُ المُنْعِم وَحْده لا شريك له، فإذا أُشْرِك به غيره فذلك أَعْظَمُ الظُّلْمِ، لأنه جَعل النعمة َلغير ربِّها. يقال: ظَلَمَه يَظْلِمُهُ ظَلْماً وظُلْماً ومَظْلِمةً، فالظَّلْمُ مَصْدرٌ حقيقيٌّ، والظُّلمُ الاسمُ يقوم مَقام المصدر، وهو ظالمٌ وظَلوم ..

((مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43).)) .. الآن فهمت لماذا ورد الحديث عن بيت العنكبوت في هذا المقام .. فبعد الإتيان على تاريخ الأمم السابقة وسبب إهلاكهم لكفرهم ومعاصيهم .. رغم بيان الدعوة لهم على اختلاف أضرابهم .. فإن الدرس يتكرر مرات ومرات عبر التاريخ الذي يعيد نفسه قطعا بأشكال مختلفة دون أن يأخذ الناس في ذلك عبرة .. ودون أن يعدلوا مسارهم .. جاء الحديث عن المقلدين الذين يتخذون الكافرين أنموذجا لهم .. في الحياة والمعتقد والسيرة .. وهم لا يدركون خطورة أفعالهم التي تعود عليهم بالنتائج الوخيمة .. ((مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ ... )) .. الولي هو الصاحب .. أو النصير .. أو الصديق .. كمثل ((العنكبوت)) .. العَنْكَبُوتُ: دُوَيْبَّة تَنْسُجُ، في الهواءِ وعلى رأْس البئر، نَسْجاً رقيقاً مُهَلْهَلاً، مؤَنثة .. قال الفراء: العَنْكَبُوت أُنثى، وقد يُذَكِّرها بعض العرب .. قال: والتأْنيث في العنكبوت أَكثر؛ والجمع: العَنْكبوتاتُ، وعَنَاكِبُ، وعَنَاكِيبُ؛ عن اللحياني، وتصغيرها: عُنَيْكِبٌ وعُنَيْكِيبٌ، وهي بلغة اليمن: عَكَنْباةٌ .. والعنكبوت: دودٌ يتولد في الشُّهْد، ويَفْسُدُ عنه العَسل؛ عن أَبيحنيفة. الأَزهري: يقال للتَّيْس إِنه لمُعَنْكَبُ القَرْنِ، حتى صار كأَنه حَلْقةٌ. والمُشَعْنَِبُ: المُسْتقيم. الفراء: في قوله تعالى: مَثَلُ الذين اتَّخَذوا من دون اللّه أَولياء، كمَثل العنكبوت اتَّخَذَتْ بيتاً؛ قال: ضَرَبَ اللّهُ بيتَ العَنْكَبُوتِ مثلاً لِمَنِ اتَّخَذَ من دون اللّه وَليّاً أَنه لا ينفعُه ولا يضرُّه، كما أَن بيت العنكبوت لا يَقيها حَرّاً ولا بَرْداً. ويقال لبيتِ العنكبوتِ: العُكْدُبةُ .. ((وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41).)): علم الشيء علما: أدركه بحقيقته وكنهه .. وتبين علميا أن العنكبوت يؤسس لأتعس عائلة في العالم .. وفي كل المخلوقات .. وهي أمم أمثالنا .. فبيت العنكبوت مهتز ما له من قرار مكين .. فبمجرد أن تلقح أنثى العنكبوت .. حتى تبادر إلى قتل الذكر .. وطرده شر طرده من البيت الزوجي .. وتتواصل المأساة العائلية في بيت العنكبوت .. فبمجرد خروج صغار العنكبوت حتى ينطلقوا في عملية تقتيل جماعية فيما بينهم .. يفتك بعضهم ببعض .. ويدمرون الحياة داخل المؤسسة العائلية العنكبوتية تدميرا شنيعا لا نظير له في بقية خلق الله .. وبالتالي فإن أتعس مثل للعائلة الشائهة المشوهة المدمرة هي عائلة العنكبوت .. قرن الله سبحانه وتعالى حياة الأمم السابقة وأئمة الكفر والنفاق والعصيان فيها وبمن يقلدونهم ببيت العنكبوت .. حتى تكون الصورة واضحة متسقة الأبعاد لا لبس فيها ولا التباس .. وحتى يكره كل مؤمن حقيقي حصيف أي تقليد لأمم الكفر والعصيان .. وحتى يقبل على ربه بالتوحيد والطاعة والابتعاد عن كل المعاصي في القول والفعل والنية .. ((إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43).)) .. لا تظنن أن الله غافل عنك .. إنه يعلم منك كل شيء سرا وجهارا قولا وفعلا ونية .. يعلم ما تعبد .. ومن تتخذ نصيرا ومحبا .. وبالتالي لا جدوى من لمغالطة التي لن تدوم .. إنه المثل الكبير الذي يضربه الله لمن يعقل .. عقل الشيء: فهمه وتدبره ..

((خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44).)) .. والخَلْقُ في كلام العرب: ابتِداع الشيء على مِثال لم يُسبق إِليه: وكل شيء خلَقه الله فهو مُبْتَدِئه على غير مثال سُبق إِليه: أَلا له الخَلق والأَمر تبارك الله أَحسن الخالقين. قال أَبو بكر بن الأَنباري: الخلق في كلام العرب على وجهين: أَحدهما الإِنْشاء على مثال أَبْدعَه، والآخر التقدير؛ وقال في قوله تعالى: فتبارك الله أَحسنُ الخالقين .. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً: أي علامة ودليلا على وجود الله الواحد لا شريك له ..

((اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) ... )) .. الأمر في هذا المقام بتلاوة القرآن الكريم وفهمه وتدبره .. فيه من الحكمة والفائدة ما لا يخفى على لبيب .. ذاك أن القرآن الكريم مائدة الله في الأَرض والبلسم الشافي لجراحات النفس

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ١١٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ١١٣٦