تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تمارى .. حتى يؤمن من يؤمن بالحجة والدليل المادي الملموس الذي لا يرقى إليه دليل لأنه من رب العزة علام الغيوب .. وكاشف الحجب .. أراد بنا خيرا بأن قدم لنا القرآن الكريم بلسم الشفاء .. والحل الأمثل لمشاكل الفرد والعائلة والمجتمع وبما يكفل التوازن النفسي والفكري والجسدي والسعادة في الدنيا والآخرة التي لا شك فيها إطلاقا .. فما كانت دعوة إبراهيم عليه السلام؟ وما كان دينه؟ .. وكيف كانت وسائل دعوته؟ .. ذلك ما سنتعرف عليه بالشرح والتحليل فيما يلي إن شاء الله تعالى:

(( ... وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16).)) .. اعْبُدُوا اللَّهَ: عبده عبادة: خضع وذل وطاع له .. وَاتَّقُوه ُ: اتقاه: خافه وحذره .. التقوى: مخافة الله والعمل بطاعته .. تَعْلَمُونَ: علم الشيء علما: أدركه بحقيقته وكنهه .. إذا فقد كانت دعوة إبراهيم بالأساس دعوة للتوحيد .. أي عبادة الله وحده لا شريك له ..

((إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17).)) .. تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا: والوَثَنُ: الصنم ما كان، وقيل: الصنم الصغير. وفي الحديث: شاربُ الخمر كعابدِ وَثَنٍ. قال ابن الأَثير: الفرق بين الوَثَنِ والصَّنَم أَن الوَثَنَ كل ما له جُثَّةٌ معمولة من جواهر الأَرض أَو من الخشب والحجارة

كصورة الآدمي تُعمَلُ وتُنْصَبُ فتُعْبَدُ، والصَّنَمُ الصورة بلا جُثَّةٍ؛ ومنهم من لم يفرق بينهما وأَطلقهما على المعنيين. قال: وقد يطلق الوَثَنُ على غير الصورة، والجمع أَوْثانٌ ووُثُنٌ ووُثْنٌ .. وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا: لإِفْك: الكذب. والأَفِيكةُ: كالإِفْك، أَفَكَ يَأْفِك وأَفِكَ إِفْكاً .. والإِفْك: الإِثم. والإِفْكُ: الكذب، والجمع الأَفَائكُ. ورجل أَفَّاك وأَفِيك وأَفُوك: كذاب. وآفَكَهُ: جعله يَأْفِكُ، وقرئَ: وذلك إِفْكُهُمْ .. شمر: أفك الرجلُ عن الخير قلب عنه وصرف .. فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ: والرِّزْقُ: معروف. والأَرزاقُ نوعانِ: ظاهرة للأَبدان كالأَقْوات، وباطنة للقلوب والنُّفوس كالمَعارِف والعلوم؛ قال الله تعالى: وما من دابّة في الأَرض إِلا على الله رزقها. وأَرزاقُ بني آدم مكتوبة مُقدَّرة لهم، وهي واصلة إِليهم. قال الله تعالى: ما أُرِيد منهم من رزق وما أُريد أَن يُطعمون؛ يقول: بل أَنا رازقهم ما خلقتهم إِلا ليَعبدون. وقال تعالى: إِن الله هو الرزَّاق ذو القُوَّةِ المَتِينُ ..

((وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18).)) .. أبان الشيء: اتضح فهو مبين ..

((أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19).)) .. في أَسماءِ اللّهِ عزَّ وجل المُبْدئ: هو الذي أَنْشَأَ الأَشياءَ واخْتَرَعَها ابْتِداءً من غيرِ سابقِ مثال. والبَدْء: فِعْلُ الشيء ِأَوَّلُ. بَدأَ بهِ وبَدَأَهُ يَبْدَؤُهُ بَدْءاً وأَبْدَأَهُ وابْتَدَأَهُ .. والخَلْقُ في كلام العرب: ابتِداع الشيء على مِثال لم يُسبق إِليه: وكل شيء خلَقه الله فهو مُبْتَدِئه على غير مثال سُبق إِليه: أَلا له الخَلق والأَمر تبارك الله أَحسن الخالقين. قال أَبو بكر بن الأَنباري: الخلق في كلام العرب على وجهين: أَحدهما الإِنْشاء على مثال أَبْدعَه، والآخر التقدير؛ وقال في قوله تعالى: فتبارك الله أَحسنُ الخالقين، معناه أَحسن المُقدِّرين ..

((قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20).)) .. أَنْشَأَه اللّه: خَلَقَه. ونَشَأَ يَنْشَأُ نَشْأً ونُشُوءاً ونَشَاءً ونَشْأَةً ونَشَاءة: حَيي، وأَنْشَأَ اللّهُ الخَلْقَ أَي ابْتَدَأَ خَلْقَهم. وفي التنزيل العزيز: وأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرى؛ أَي البَعْثةَ. وقرأَ أَبو عمرو: النَّشاءةَ، بالمدّ. الفرّاءُ في قوله تعالى: ثُمَّ اللّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرةَ؛ القُرَّاءُ مجتمعون على جزم الشين وقَصْرِها إِلا الحسنَ البِصْرِيَّ، فإِنه مدَّها في كلِّ القرآن، فقال: النَّشاءة مثل الرّأْفةِ والرّآفةِ، والكَأْبةِ والكَآبةِ. وقرأَ ابن كثير وأَبو عمرو: النَّشاءة، ممدود، حيث وقعت. وقرأَ عاصم ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي النَّشْأَةَ، بوزن النَّشْعةِ حيث وقعت. .

((يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21).)) .. والانْقِلابُ إِلى اللّه، عز وجل: المصيرُ إِليه، والتَّحَوُّلُ، وقد قَلَبه اللّهُ إِليه؛ هذا كلامُ العرب. وحكى اللحياني: أَقْلَبه؛ قال وقال أَبو ثَرْوانَ: أَقْلَبَكُم اللّهُ مَقْلَب أَوليائه، ومُقْلَبَ أَوليائه، فقالها بالأَلف. والمُنْقَلَبُ يكون مكاناً، ويكون مصدراً، مثل المُنْصَرَف.

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ١١٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ١١٢٩