تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

*التحليل:

يبتلي الله الناس بالخير والشر .. وإذا كان ابتلاء الشر معروفا .. فإن ابتلاء الخير فيه لبس والتباس في أذهان كثير من الناس خاصة من افتقد منهم طعم الإيمان وحلاوة اليقين .. فيحسب خطأ أنه في نعمة دائمة .. وأن ما هو فيه من خير إنما بفضل جهوده وتضحياته .. يعانق الوهم والسراب .. ويسير في قفر يباب من المشاعر والرؤى والأحاسيس .. ماض في حقده .. ومغالطته .. يستمرئ النفاق .. ولا يتملى أعاجيب خلق الله .. ولا يؤمن إلا في المناسبات والأعياد تظاهرا وخيفة من كلام الناس .. ولم يقر في قلبه وعي ولا إيمان ولا خوف من الله عز وجل الذي أكرمه ونعمه ابتلاء وامتحانا .. فناظر ما هو فاعل .. فماذا هو فاعل في حياة غريبة وعجيبة .. قليلة مهما كثرت وقصيرة مهما طالت .. يأتيها المرء صائحا من بطن أمه .. ويغادرها بالموت صائحا بالألم والعذاب والهموم والأمراض والأوجاع .. غير متحسر على فراقها .. فما عند الله خير وأبقى لو يعقل العاقلون أي لو يستخدمون العقل حق الاستخدام .. لأن عقل الشيء أي فهمه وتدبره .. فهل فهم الأثرياء والمترفون هذه الحقيقة التي لا تمارى ومنهم قارون .. ابن عم موسى عليه السلام .. وقد أعطاه الله الغني الحميد من خيرات الدنيا امتحانا له .. فماذا أجاب عن هذا العطاء .. ماذا قال في ورقة الإمتحان؟ ..

(((( ... قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ (78).)) .. قَدْ أَهْلَكَ: قال أَبو عبيد: يقال الهَلْك والهُلْكُ هَلَكَ يَهْلِكُ هُلْكاً وهَلْكاً وهَلاكاً: مات .. ولا يستعمل إلا في ميتة سوء .. يقولون هلك الناس

أَي استوجبوا النار والخلود فيها بسوء أَعمالهم، فإِذا قال الرجل ذلك فهو الذي أَوجبه لهم لا الله تعالى، أَو هو الذي لما قال لهم ذلك وأَيأَسهم حملهم على ترك الطاعة والانهماك في المعاصي، فهو الذي أَوقعهم في الهلاك، وأَما الضم فمعناه أَنه إِذا قال ذلك لهم فهو أَهْلَكهم أَي أَكثرهم هَلاكاً، وهو الرجلُ يُولَعُ بعيب الناس ويَذْهبُ بنفسه عُجْباً، ويرى له عليهم فضلاً. وقال مالك في قوله أَهلكهم أَي أَبْسَلُهم. وفي الحديث: ما خالَطتِ الصدقةُ مالاً إِلا َّأَهْلَكَتْه .. مِنْ القُرُونِ: وجائز أَن يكون القَرْنُ لجملة الأُمة وهؤلاء قُرُون فيها، وإنما اشتقاق القَرْن من الاقْتِران، فتأَويله أَن القَرْنَ الذين كانوا مُقْتَرِنين في ذلك الوقت والذين يأْتون من بعدهم ذوو اقْتِرانٍ آخر. القَرْنَ أَهل كل مدة كان فيها نبيّ أَو كان فيها طبقة من أَهل العلم، قَلَّتْ السِّنُون أَو كثرت، والدليل على هذا قول النبي، صلى الله عليه وسلم: خَيْرُكم قَرْنِي، يعني أَصحابي، ثم الذين يَلُونَهم، يعني التابعين، ثم الذين يَلُونهم، يعني الذين أَخذوا عن التابعين ..

((فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79).)) .. هذا موقف الذين يغترون بالمظاهر .. ولا ينظرون إلةى اللب. ز إلى الروح .. إلى الحلال والإيمان وما يقبله الله أو لا يقبله .. فِي زِينَتِهِ: وتَزَيَّنَتِ الأَرضُ بالنبات وازَّيَّنَتْ وازْدانتِ

ازْدِياناً وتَزَيَّنت وازْيَنَّتْ وازْيَأَنَّتْ وأَزْيَنَتْ أَي حَسُنَتْ وبَهُجَتْ .. التهذيب: الزِّينة اسم جامع لكل شيء يُتَزَيَّن به. والزِّينَةُ: ما يتزين به. ويومُ الزِّينةِ: العيدُ .. وقوله عز وجل: فخرج على قومه في زينته؛ قال الزجاج: جاء في التفسير أَنه خرج هو وأَصحابه وعليهم وعلى الخيل الأُرْجُوَانُ، وقيل: كان عليهم وعلى خيلهم الدِّيباجُ الأَحمر .. لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ: الحَظُّ: النَّصِيبُ، زاد الأَزهري عن الليث: من الفَضْلوالخيْر. وفلان ذو حَظّ وقِسْم من الفضل، قال: ولم أَسمع من الحظِّ فِعْلاً .. ومَحْظوظ، كله: ذو حَظٍّ من الرِّزق، ولم أَسمع لمحظوظ بفعل يعني أَنهم لم يقولوا حُظّ؛ وفلان أَحَظُّ من فلان: أَجَدُّ منه ..

((وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80).)) .. هذا موقف أهل الإيمان من المظاهر .. والبهرج .. لا تخدعهم الدنيا .. ولا يخدعهم عشاق الدنيا مهما أوتوا من مال ونفوذ .. لأهم ينظرون إلى الجوهر .. إلى اليقين .. إلى ما يحبه الله سبحانه وتعالى .. أُوتُوا الْعِلْمَ: علم علما: أدركه بحقيقته وكنهه .. العلم: إدراك الشيء بحقيقته وكنهه .. وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ: أي الجنة .. لا يبشر بها ولا يدخلها إلا من صبر على طاعة الله وعلى ما رزقه الله ..

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ١١٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ١١٢١