((وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37).)) .. رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى: علم الشيء: أدركه بحقيقته وكنهه .. العلم إدراك الشيء بحقيقته وكنهه .. وأَعْقَبه على ما صَنَع: جازاه. وأَعْقَبه بطاعته أَي جازاه، والعُقْبَى جَزاءُ الأَمر. وعُقْبُ كُلِّ شيء، وعُقْباه، وعُقْبانُه، وعاقِبَتُه: خاتِمتُه. والعُقْبى: المَرْجِعُ. عَقِبُ كُلِّ شيءٍ، وعَقْبُه، وعاقِبتُه، وعاقِبُه، وعُقْبَتُه، وعُقْباهُ، وعُقْبانُه: آخِرُه .. والدَّارُ: المحل يجمع البناء والعرصة، أُنثى؛ قال ابن جني: هي من دَارَ يَدُورُ لكثرة حركات الناس فيها، والجمع أَدْوُرٌ وأَدْؤُرٌ في أَدنى العدد .. وفي حديث زيارة القبور: سلامٌ عليكم دَارَ قَوْمٍ مؤمنين؛ سمي موضع القبور داراً تشبيهاً بدار الأَحياء لاجتماع الموتى فيها. وفي حديث الشفاعة: فأَسْتَأْذِنُ على رَبِّي في دَارِه؛ أَي في حضرة قدسه، وقيل: في جنته، فإِن الجنة تسمى دار السلام، والله عز وجل هو السلام، وأَما الدَّارُ فاسم جامع للعرصة والبناء والمَحَلَّةِ. وكلُّ موضع حل به قوم، فهو دَارُهُمْ. والدنيا دَارُ الفَناء، والآخرة دَارُ القَرار ودَارُ السَّلام الجوهري: الدار مؤنثة وإِنما قال تعالى: ولنعم دار المتقين؛ فذكَّر على معنى المَثْوَى والموضع، كما قال عز وجل: نِعْمَ الثوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً، فأَنث على المعنى ..
((وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ (38).)) .. والصَّرْحُ: بيت واحد يُبْنى منفرداً ضَخْماً طويلاً في السماء؛ وقيل: هو القَصْرُ؛ وقيل: هو كل بناء عال مرتفع .. الصَّرْحُ، في اللغة، القَصْرُ والصَّحْنُ .. والمعنى أن فرعون أمر وزيره هامان بأن يكلف العملة ببناء قصر ع ال يصعد فوقعه فرعون ليطلع على الحقيقة من وجود الله .. مع تكذيبه مسبقا لأنه نسب الألوهية لنفسه ابتداء وزيفا وبهتانا ..
((وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ (39).)) .. وقد
تَكَبَّر واستكْبَر وتَكابَر وقيل تَكَبَّرَ: من الكِبْر، وتَكابَر: من السِّنّ. والتكَبُّر والاستِكبار: التَّعظّم. وقوله تعالى: سأَصْرِفُ عن آياتيَ الذين يَتَكَبَّرون في الأَرض بغير الحق؛ قال الزجاج: أَي أَجْعَلُ جزاءَهم الإِضلال عن هداية آياتي؛ قال: ومعنى يتكبرون أَي أَنهم يَرَوْنَ أَنهم أَفضل الخلق وأَن لهم من الحق ما ليس لغيرهم، وهذه الصفة لا تكون إِلا لله خاصة لأَن الله، سبحانه وتعالى، هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأَحد مثله، وذلك الذي يستحق أَن يقال له المُتَكَبِّر، وليس لأَحد أَن يتكبر لأَن الناس في الحقوق سواء، فليس لأَحد ما ليس لغيره فالله المتكبر، وأَعْلَم اللهُ أَن هؤلاء يتكبرون في الأَرض بغير الحق أَي هؤلاء هذه صفتهم .. والمعنى أنه ركبهم الغرور فارتكبوا المعاصي والمحرمات .. وكذبوا بالبعث والجزاء .. ونفوا و جود الله الواحد الذي لا شريك له والمجازي في يوم الجزاء كل واحد بحسب ما قدم في هذه الحياة الإمتحان إن خيرا فخير وإن شرا فشر ..
ونلاحظ أن الاتهام لم يوجه إلى فرعون فقط .. ((وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ)) .. حتى تكون المسؤولية واضحة ولا لبس فيها ولا التباس .. وبالتالي يتجلى أن كل واحد مسئول عن أفعاله .. ولا يتعلل بالحجج والتعلات الواهية .. ((هُوَ وَجُنُودُهُ)) .. ولو كان وحده مستكبرا لم ينفعه كبره واستكباره .. ولكن جنوده .. الجُنْد: معروف. والجُنْد الأَعوان والأَنصار. والجُنْد: العسكر، والجمع أَجناد .. وكيفما تكونوا يولى عليكم .. والمسئولية جماعية كل بحسب موقعه ودوره وقوله وفعله ونيته .. ومتى كانت العصيان جماعيا كانت العقوبة جماعية .. نفس القاعدة تتكرر عبر المكان والزمان من آدم إلى قيام الساعة التي لا شك فيها إطلاقا ..
((فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40).)) .. النَّبْذُ: طرحك الشيء من يدك أَمامك أَو وراءك. نَبَذْتُ الشيء أَنْبِذُه نَبْذاً إِذا أَلقيته من يدك، ونَبَّذته، شدد للكثرة. ونبذت الشيء أَيضاً إِذا رميته وأَبعدته .. والمنبوذ: ولد الزنا لأَنه يُنبذ على الطريق، وهم المَنَابذة، والأُنثى منبوذة ونبيذة، وهم المنبوذون لأَنهم يُطْرحون. قال أَبو منصور: المنبوذ الذي تنبذه والدته في الطريق حين تلده فيلتقطه رجل من المسلمين ويقوم بأَمره، وسواء حملته أُمّه من زنا أَو نكاح ولا يجوز أَن يقال له ولد الزنا لما أَمكن في نسبه من الثبات. والنبيذة والمنبوذة: التي لا تؤكل من الهزال، شاة كانت أَو غيرها، وذلك لأَنها تنبذ. ويقال للشاة المهزولة التي يهملها أَهلوها: نبيذة. ويقال لما يُنْبَثُ من تراب الحفرة: نبيثة ونبيذة، والجمع