أنه طمأن موسى وهدأ من روعته وأكرم وفادته .. ليعطينا بذلك القدوة والأمثولة في التعامل مع الضيف ومع كل صاحب مشكلة وأن نتحرى في اختيار الكلام المناسب رفعا من معنوياته ..
((قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ (26).)) .. هنا تدخلت البنت الصغرى لتقول كلمته بكل لطف وأدب مما يعلمنا شوطا آخر في التعامل والمعاملة داخل الأسرة المسلمة في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة التي لا شك فيها إطلاقا .. يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ: أي عرضت أن تتزوج منه بكل لطف وأدب ((يَا أَبَتِ)) .. وليس عيبا أن تعبر الفتاة عن مشاعره ورغبتها في الزواج من فلان بطريقة مبطنة تكشف عن مدى حياتها وجمالها الروحي قبل كل شيء .. وقبل كل الاعتبارات .. اسْتَأْجِرْهُ: والأَجيرُ: المستأْجَرُ، وجمعه أُجَراءُ .. والاسم منه: الإِجارةُ. والأُجْرَةُ: الكراء. تقول: استأْجرتُ الرجلَ، فهو يأْجُرُني ثمانيَ حِجَجٍ أَي يصير أَجيري .. وفي التنزيل العزيز: على أَن تأْجُرني ثماني حِجَجٍ؛ قال الفرّاءُ: يقول أَن تَجْعَلَ ثوابي أَن ترعى عليَّ غَنمي ثماني حِجَج؛ وروى يونس: معناها على أَن تُثِبَني على الإِجارة؛ ومن ذلك قول العرب: آجركَ اللهُ أَي أَثابك الله. وقال الزجاج في قوله: قالت إحداهما يا أَبَتِ استأْجِرْهُ؛ أَي اتخذه أَجيراً؛ إِن خيرَ مَن اسْتأْجرتَ القَويُّ الأَمينُ؛ أَي خيرَ من استعملت مَنْ قَوِيَ على عَمَلِكَ وأَدَّى الأَمانة. قال وقوله: على أَن تأْجُرَني ثمانيَ حِجَج أَي تكون أَجيراً لي .. ولكن كيف عرفت أنه قوي وأمين؟ .. عرفت قوته لأنها رأت يرفع الحجارة التي تغطى بها البئر حي سقا لها ولأختها وهي حجارة لا يستطيع رفعها عشرة رجال .. وعرفت أمانته حيث انها لما دعته لأبيها .. طلب منها أن تسير خلفه وأن تدله على الطريق بالكلام حتى لا يراها من خلف فلا يفتن بها .. وإذا توفرت في المرء القوة وغض البصر .. والإعراض عن تفحص النساء .. فقد توفرت فيه مقومات الأمانة والرجولة والقوة وهو أقصى ما تطمح فيه المرأة من الرجل كي يكون بعلا مخلصا وصالحا لتكوين عائلة مسلمة ناجحة ..
((قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) ... )) .. عرض شعيب على موسى أن يتزوج البنت الصغرى مقابل أن يشتغل عند موسى ثمانية أعوام في رعي الغنم وهو النشاط المتعارف لأهل مدين في ذلك الوقت .. أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ: قال الأَزهري: أَصل النكاح في كلام العرب الوطء، وقيل للتزوّج نكاح لأَنيه سبب للوطء المباح. الجوهري: النكاح الوطء وقد يكون العَقْدَ، تقول: نَكَحْتُها ونَكَحَتْ هي أَي تزوَّجت؛ وهي ناكح في بني فلان أَي ذات زوج منهم. قال ابن سيده: النِّكاحُ البُضْعُ، وذلك في نوع الإِنسان خاصة .. وأَنْكَحَه المرأَة: زوَّجَه إِياها. وأَنْكَحَها: زوَّجها .. ثَمَانِيَ حِجَج: قال سيبويه: وقالوا حَجَّةٌ واحدةٌ، يريدون عَمَلَ سَنَةٍ واحدة. قال الأَزهري: الحَجُّ قَضاءُ نُسُكِ سَنَةٍ واحدةٍ، وبعضٌ يَكسر الحاء، فيقول: الحِجّ ُوالحِجَّةُ .. والحِجُّ عَمَلُ السَّنَةِ. وتقول: حَجَجْتُ فلاناً إِذا أَتَيْتَه مرَّة بعد مرة ..
وتزوج موسى ابنة شعيب واستقر في مدين عشر سنوات .. حتى استقر له الأمر وأتم عهده وشغله .. بعيدا عن فرعون ومخاطره ..
*********
* ** // هذا ما يسره الله لنا وفوق كل ذي عليم .. نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق وصلى الله على محمد عبده ورسوله في المحيا والممات ويوم القيامة آمين ونشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له سبحانه القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار الوكيل المحيط السميع العليم له الأسماء الحسنى تنزه عن الشريك والشبيه والنظير والنقصان والحدثان ونشهد أن محمدا رسول الله خير خلق الله جاهد في الله حق جهاد ه وبلغ الرسالة وأدى الأمانة رضينا بالله ربا وبمحمد رسولا وبالقرآن منهجا ودستورا .. ((وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)./.)) – سورة المؤمنون ... آمين وسلام على المرسلين