تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنقذهم من الظلمات إلى النور .. وتأخذ بأيديهم بكل رفق ومحبة إلى بر الأمان في مصطرع الباطل ومضطرم الفتنة .. وهموم الدنيا التي لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد أشد ضراوة وفتكا .. إلا المؤمن فإنه ثابت في الرياح والأنواء .. وفي دعاوى المغالاة يبتغي لنفسه مسلكا آمنا وسط الغوغاء .. ومن ابتغى بالدين سرفا .. من أحرف معينة .. تنطلق السورة تقدم الحقيقة التي لا تمارى حبا وألقا .. نسبح في أنوارها السنية .. نحبها وتحبنا .. وتقدم لنا أسرارها .. وتعطينا من لبان عشقها بلسما شافيا لجراحات النفس المكلومة وأملا .. وحلا لمشاكلنا النفسية والفكرية والجسدية والعائلية والاجتماعية .. تقدم إلينا الحل المثل بكل اتزان وحكمة ووسطية .. وبكل عدل واعتدال في تسام وتنام للحق والنور .. وثبات على المبدإ .. لو يستخدم الناس العقل حق الاستخدام .. ((طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2).)) .. تلك الأدلة الثابتة على صدق القرآن الكريم .. في أن الله واحد لا شريك له .. وفي صدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم .. وفي أن الدين واحد وهو الإسلام الحنيف .. لأن كل الأديان تنبع من مشكاة واحدة .. الْكِتَابِ الْمُبِينِ: أبان الشيء: اتضح فهو مبين .. لا شك ولا اختلاف .. لننطلق ونحن متأكدون تمام التأكد من صحة المصدر .. ومن صحة الوسيلة .. ومن صحة الطريق .. وبالتالي من صحة النتيجة ..

((نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3).)) .. قال لليث: تلا تيتلو تِلاوَة

يعني قرأَ قراءة. وقوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يَتْلونه حقّ تِلاوَتِه؛ معناه يَتّبعونه حقّ اتّباعه ويعملون به حق عمله .. مِنْ نَبَإِ مُوسَى: النبأ هو الخبر الهام .. ونَبَأْتُ على القوم أَنْبَأُ نَبْأً إِذا طلعت عليهم. ويقال نَبَأْتُ من الأَرض إِلى أَرض أُخرى إِذا خرجتَ منها إليها. ونَبَأَ من بلد كذا يَنْبَأُ نَبْأً ونُبُوءاً: طَرأَ .. فهو خبر بالحق والحق هو ضد الباطل فما سيقوله الله هو الحق وضده الباطل .. لقوم يؤمنون .. أي مصدقون به .. آمن به إيمانا صدقه ووثق به .. الإيمان: التصديق ضد اكفر ..

((إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4).)) .. ويقال فلان علا الجَبَلَ إذا رَقِيَه يَعْلُوه عُلُوّاً، وعَلا فلان فلاناً إذا قَهَرَه .. والعُلُوُّ: العَظَمة والتَّجَبُّر. وقال الحسن البصري ومسلم البَطِين في قوله تعالى: تِلْك َالدارُ الآخِرةُ نجْعَلها للذين لا يريدون عُلُوّاً في الأَرض ولا فَساداً؛ قال: العُلُو التكبُّر في الأَرض، وقال الحسن: الفَسادُ المَعاصي، وقال مسلم: الفَسادُ أَخذ المال بغير حق، وقال تعالى: إن فرعون علا في

الأرض؛ جاء في التفسير أَن معناه طَغَى في الأَرض. يقال: علا فلان في الأرض إذا اسْتَكْبَرَ وطَغَى. وقوله تعالى: ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كبيراً؛ معناه لَتَبْغُنّ ولَتَتَعَظَّمُنّ. ويقال لكل مُتَجَبِّر: قد علا وتَعَظَّمَ. واللهُ عز وجل هو العَليّ المُتعالي العالي الأَعْلَى ذُو العُلا والعَلاء والمَعا، تَعالى عَمَّا يقول الظالمون عُلُوّاً كبيراً، هو الأَعْلى سبحانه بمعنى العالي، وتفسير تَعالَى جلَّ ونَبَا عن كلِّ ثناءٍ فهو أَعظم وأَجلُّ وأَعْلى مما يُثنى عليه لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. ((إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا: والشِّيعةُ: القوم الذين يَجْتَمِعون على الأَمر. وكلُّ قوم اجتَمَعوا على أَمْر، فهم شِيعةٌ. وكلُّ قوم أَمرُهم واحد يَتْبَعُ بعضُهم رأْي بعض، فهم شِيَعٌ. قال الأَزهري: ومعنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضاً وليس كلهم متفقين، قال الله عز وجل: الذين فرَّقوا دِينَهم وكانوا شِيَعاً .. والشِّيعةُ: أَتباع الرجل وأَنْصارُه، وجمعها شِيَعٌ، وأَشْياعٌ

جمع الجمع. ويقال: شايَعَه كما يقال والاهُ من الوَلْيِ .. وأَصل ذلك من المُشايَعةِ، وهي المُتابَعة والمُطاوَعة .. قال أَبو إِسحق: معنى شَيَّعْتُ فلاناً في اللغة اتَّبَعْتُ. وشَيَّعه على رأْيه وشايَعه، كلاهما: تابَعَه وقَوَّاه .. وشَيَّعَ النارَ في الحطبِ: أَضْرَمَها .. يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ: وأَضْعَفَه وضَعَّفَه: صيَّره ضعيفاً. واسْتَضْعَفَه وتَضَعَّفَه: وجده ضعيفاً فركبه بسُوء .. وفي إِسلام أَبي ذَّرّ: لَتَضَعَّفْتُ قوله «لتضعفت» هكذا في الأصل، وفي النهاية: فتضعفت.) رجلا ًأَي اسْتَضْعَفْتُه؛ قال القتيبي: قد تدخل اسْتَفْعَلْتُ في بعض حروف تَفَعَّلْت نحو تَعَظَّم واسْتَعْظَم وتكبّر واسْتكبر وتَيَقَّن واسْتَيْقَنَ وتَثَبَّتَ واسْتَثْبَتَ. وفي الحديث: أَهْلُ الجَنّة كلّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ؛ قال ابن الأثير: يقال تَضَعَّفْتُه واسْتَضْعَفْتُه بمعنى للذي

يَتَضَعَّفُه الناس ويَتَجَبَّرُون عليه في الدنيا للفقر ورَثاثَةِ الحال .. وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4).)) .. واسْتَحْياه: أَبقاهُ حَيّاً. وقال اللحياني: استَحْياه استَبقاه ولم يقتله، وبه فسر قوله تعالى: ويَسْتَحْيُون نِساءَكم؛ أَي يَسْتَبْقُونَهُنَّ ..

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ١٠٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ١٠٩٧