حصِيداً؛ وذلك أَنهم استعجلوا العذاب واستبطؤوا أَمْرَ الساعة، فأَعلم الله أَن ذلك في قربه بمنزلة ما قد أَتى كما قال عز وجل: اقْتَرَبَتِ الساعةُ وانشقّ َالقمر؛ وكما قال تعالى: وما أَمرُ الساعة إِلا كلَمْحِ البَصَرِ. وأَمرتُه بكذا أَمراً، والجمع الأَوامِرُ ..
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77).)) .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: آمن به إيمانا: صدقه ووثق به .. الإيمان: التصديق ضد التكذيب .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا: الرُّكوع: الخُضوع؛ عن ثعلب: ركع يركع رَكْعاً ورُكُوعاً: طَأْطأَ رأْسَه. وكلُّ قَوْمة يتلوها الركوع والسجْدتان من الصلوات، فهِي رَكْعة .. فالرّاكِعُ: المنحني في قول لبيد. وكلُّ شيء يَنْكَبُّ لوجهه فَتَمسّ ُركبتُه الأَرضَ أَو لا تمسها بعد أَن يخفض رأْسه، فهو راكع. وفي حديث علي، كرم الله وجهه، قال: نَهاني أَن أَقرأَ وأَنا راكع أَو ساجد؛ قال الخطابي: لما كان الركوع والسجود، وهما غاية الذُّلِّ والخُضوع، مخصوصين بالذكر والتسبيح نهاه عن القراءة فيهما كأَنه كَرِه أَن يجمع بين كلام الله تعالى وكلام الناس في مَوْطِن واحد فيكونا على السَّواء في المَحَلّ ِوالمَوْقِع؛ وجمع الراكع ركع وركع، وكانت العرب في الجاهلية تسمي الحَنِيف راكعاً إِذا لم يَعْبُد الأَوثان وتقول: ركع إلى الله .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا: الساجد: المنتصب في لغة طيّء، قال الأَزهري: ولا يحفظ لغير الليث. ابن سيده: سَجَدَ يَسْجُدُ سجوداً وضع جبهته بالأَرض، وقوم سُجَّدٌ وسجود. وقوله عز وجل: وخروا له سجداً؛ هذا سجود إِعظام لا سجود عبادة لأَن بني يعقوب لم يكونوا يسجدون لغير الله عز وجل. قال الزجاج: إِنه كان من سنة التعظيم في ذلك الوقت أَن يُسْجَد للمعظم، قال وقيل: خروا له سجداً أَي خروا لله سجداً؛ قال الأَزهري: هذا قول الحسن والأَشبه بظاهر الكتاب أَنهم سجدوا ليوسف، دل عليه رؤْياه الأُولى التي رآها حين قال: إِني رأَيت أَحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأَيتهم لي ساجدين؛ فظاهر التلاوة أنهم سجدوا ليوسف تعظيما له من غير أن أَشركوا بالله شيئاً، وكأَنهم لم يكونوا نهوا عن السجود لغير الله عز وجل، فلا يجوز لأَحد أَن يسجد لغير الله؛ وفيه وجه آخر لأهل العربية: وهو أَن يجعل اللام في قوله: وخروا له سجدا، وفي قوله: رأَيتهم ليساجدين، لام من أَجل؛ المعنى: وخروا من أَجله سجداً لله شكراً لما أَنعم الله عليهم حيث جمع شملهم وتاب عليهم وغفر ذنبهم وأَعز جانبهم ووسع بيوسف، عليه السلام؛ وهذا كقولك فعلت ذلك لعيون الناس أَي من أَجل عيونهم .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ: عبده عبادة: خضع وذل وطاع له .. وأَصل العُبودِيَّة الخُضوع والتذلُّل. والعِبِدَّى، مقصور، والعبدَّاءُ، ممدود، والمَعْبوداء، بالمد، والمَعْبَدَة أَسماءُ الجمع. وفي حديث أَبي هريرة: لا يَقُل أَحدكم لمملوكه عَبْدي وأَمَتي وليقل فتايَ وفتاتي؛ هذا على نفي الاستكبار عليهم وأَنْ يَنْسُب عبوديتهم إِليه، فإِن المستحق لذلك الله تعالى هو رب العباد كلهم والعَبيدِ، وجعل بعضهم العِباد لله، وغيرَه من الجمع لله والمخلوقين، وخص بعضهم بالعِبِدَّى العَبيدَ الذين وُلِدوا في المِلْك، والأُنثى عَبْدة. قال الأَزهري: اجتمع العامة على تفرقة ما بين عِباد الله والمماليك فقالوا هذا عبد من عِباد الله، وهو لاء عَبيدٌ مماليك. قال: ولا يقال عَبَدَ يَعْبُدُ عِبادة إِلا لمن يَعْبُد الله، ومن عبد دونه إِلهاً فهو من الخاسرين. قال: وأَما عَبْدٌ خَدَمَ مولاه فلا يقال عَبَدَه. قال الليث: ويقال للمشركين هم عَبَدَةُ الطاغوت، ويقال للمسلمين عِبادُ الله يعبدون الله. والعابد: المُوَحِّدُ .. وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الفَلَح والفَلاحُ: الفوز والنجاة والبقاء في النعيم والخير؛ وفي حديث أَبي الدَّحْداحِ: بَشَّرَك الله بخير وفَلَحٍ أَي بَقاءٍ وفَوْز، وهو مقصور من الفلاح، وقد أَفلح. قال الله عَزَّ من قائل: قد أَفْلَحَ المؤمنون أَي أُصِيرُوا إِلى الفلاح؛ قال الأَزهري: وإِنما قيل لأَهل الجنة مُفْلِحون لفوزهم ببقاء الأَبَدِ. فَلاحُ الدهر: بقاؤُه ..
((وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)./.)) .. قال العلماء في هذا المقام: إن الجهاد المقصود في هذا الباب هو مجاهدة النفس عن هواها .. وتطبيق الدين الإسلامي الحنيف دين المحبة والتسامح والعدل والإعتدال على الذات وعلى الأسرة والمحيط والمجتمع بذلا وعطاء ماديا ومعنويا .. ونفع الناس بالخبرات والمواهب .. وألا نخشى في الله لومة لائم .. وأن نقول كلمة الحق التي ارتضاها الله ورسوله مهما كانت العواقب ..