ونوح كُفّاراً فبعَث الله النبيِّين يُبَشِّرون من أَطاع بالجنة ويُِنْذِرون من عَصى بالنار. وقال آخرون: كان جميع مَن مع نوح في السفينة مؤمناً ثم تفرَّقوا من بعد عن كُفر فبعث الله النبيِّين. وقال آخرون: الناسُ كانوا كُفّاراً فبعث الله إبراهيم والنَّبيِّين من بعدهِ .. وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا: والمَنْسَك والمَنْسِكُ: شِرْعة النَّسْك. وفي التنزيل: وأَرِنا مَنَاسِكَنا؛ أَي مُتَعَبَّداتِنا، وقيل: المَنْسَكُ النَّسْك نفسه. والمَنْسِكُ: الموضع الذي تذبح فيه النَّسِيكة والنَّسائك. النضر: نسك الرجل إِلى طريقة جميلة أَي داوم عليها. ويَنْسُكون البيتَ: يأْتونه. وقال الفراء: المَنْسَكُ المَنْسِكُ في كلام العرب الموضع المعتاد الذي تعتاده. ويقال: إِنَّ لفلان مَنْسِكاً يعتاده في خير كان أَو غيره، وبه سميت المَناسِكُ. وقال أَبو إِسحق: قرئً لكل أُمة جعلنا مَنْسَكاً، ومَنْسِكاً، قال: والنَّسْكُ في هذا الموضع يدل على معنى النَّحْر كأَنه قال: جعلنا لكل أُمة أَن تَتَقربَ بأَن تذبح الذبائح لله، فمن قال مَنْسِك فمعناه مكان نسك مثل مَجلِس مكان جلوس، ومن قال مَنْسَك فمعناه المصدر نحو النُّسُك والنُّسُوك. غيره: والمَنْسَك والمَنْسِك الموضع الذي تذبح فيه النُّسُك، وقرئَ بهما قوله تعالى: جعلنا مَنْسَكاً هم ناسِكوه. ابن الأَثير: قد تكرر ذكر المَناسِك والنُّسُك والنَّسِيكة في الحديث، فالمَنَاسك جمع مَنْسَك ومَنْسِك، بفتح السين وكسرها، وهو المُتَعَبَّد ويقع على المصدر والزمان والمكان، ثم سميت أُمور الحج كلها مَناسك. والمَنْسَك والمَنْسِك: المَذْبَحُ .. بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ: وقال ابن الأَعرابي: النعم الإبل خاصة، والأَنعام الإبل والبقر والغنم .. وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ: بشره: فرحه .. البشرى: الخبر المفرح .. وأَخْبَتَ إِلى ربه أَي اطْمَأَنَّ إِليه. ورُوِي عن مجاهد في قوله: وبَشِّرِ المُخْبِتينَ؛ قال: المُطْمَئِنِّين، وقيل: هم المُتَواضِعون، وكذلك قال في قوله: وأَخْبَتُوا إِلى ربهم أَي تواضَعُوا؛ وقال الفراء: أَي تَخَشَّعوا لربهم، قال: والعَرَبُ تَجْعَلُ إِلى في موضع اللام. وفيه خَبْتَة أَي تواضع. وأَخْبَتَ للَّه: خَشَعَ؛ وأَخْبَتَ: تواضَعَ، وكلاهما من الخَبْتِ. وفي التنزيل العزيز: فَتُخْبِتَ له قُلوبُهم؛ فسره ثعلب بأَنه التواضُع. وفي حديث الدعاء: واجْعَلْني لك مُخْبِتاً أَي خاشعاً مطيعاً. والإِخْباتُ:
الخُشوع والتَّواضُع. وفي حديث ابن عباس: فيجعلها مُخْبِتةً مُنِيبةً، وأَصل ذلك من الخَبْتِ المطمئن من الأَرض ..
((الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35).)) .. وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ: خافت .. الوجل: الخوف .. وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ: أقام الشيء: أدامه .. قرن الإنفاق بالصلاة حتى لا يحسب الناس ان العبادة كلمات وحركات .. بل هو بذل وعطاء بلا حدود وفي كل مجال حلال نافع للخلق ..
((وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36).)) .. وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ: بَدَنُ الإنسان: جسدُه. والبدنُ من الجسدِ: ما سِوَى الرأْس والشَّوَى، وقيل: هو العضوُ؛ عن كراع، وخص مَرّةً به أَعضاءَ الجَزور، والجمع أَبْدانٌ. وحكى اللحياني: إِنها لحَسنةُ الأَبدانِ؛ قال أَبو الحسن: كأَنهم جعلو كل جُزْءٍ منه بَدَناً ثم جمعوه على هذا؛ ورجل بادنٌ: سمين جسيم، والأُنثى بادنٌ وبادنةٌ، والجمعُ بُدْنٌ وبُدَّنٌ؛ إنما عنى بالبُدن هنا الجوهرَ الذي هو الشحم، لا يكون إلا على هذا لأَنك إن جعلت البُدْنَ عرَضاً جعلته محلاًّ للعرض. والبَدنةُ من الإبلِ والبقر: كالأُضْحِيَة من الغنم تُهْدَى إلى مكة، الذكر والأنثى في ذلك سواء؛ الجوهري: البَدْنةُ ناقةٌ أَو بقرةٌ تُنْحَرُ بمكة، سُمِّيت بذلك لأَنهم كانوا يُسَمِّنونَها، والجمع بُدُنٌ وبُدْنٌ، ولا يقال في الجمع بَدَنٌ، وإن كانوا قد قالوا خَشَبٌ وأَجَمٌ ورَخَمٌ وأَكَمٌ، استثناه اللحياني من هذه. وقال أَبو بكر في قولهم قد ساقَ بَدَنةً: يجوز أَن تكون سُمِّيَتْ بَدَنةً لِعِظَمِها وضَخامتِها، ويقال: سمِّيت بدَنةً لسِنِّها. والبُدْنُ: السِّمَنُ والاكتنازُ، وكذلك البُدُن مثل عُسْر وعُسُر؛ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ: أي تربط من ثلاث قوائم مصفوفة عند الذبح وهو متعلق بالذبائح .. وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ: أي أطعموا السائل والمتعفف المحتاج الذي لا يسأل الناس محافظة على كرامته .. والقُنُوعُ: السؤالُ والتذلُّلُ للمسأَلة. وقَنَعَ، بالفتح، يَقْنَعُ قُنُوعاً: ذل للسؤال، وقيل: سأَل. وفي التنزيل: أَطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ؛ فالقانع الذي يَسْأَلُ، والمُعْتَرُّ الذي يَتَعَرَّضُ ولا يسأَل؛ قال ابن السكيت: ومن العرب من يجيز القُنُوعَ بمعنى القَناعةِ، وكلام العرب الجيد هو الأَوَّل، ويروى من الكُنُوعِ، والكُنُوعُ التقَبُّضُ والتصاغُرُ، وقيل: القانِعُ السائلُ، وقيل: المُتَعَفِّفُ، وكلٌّ يَصْلُحُ،