فَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ الله فَإنَّ فِيهِ نَبَأَ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ، وَنَبَأَ مَا يَأتِى بَعْدَكُمْ، وَالْحُكْمُ فِيهِ بَيَّنٌ، مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْجَبَابِرَة قَصَمَهُ الله، وَمَنِ ابْتَغَى الْعِلْمَ فِى غَيْرِهِ أَضَلَّهُ الله، فَهُوَ حَبْلُ الله الْمَتِينُ، وَنُورُهُ المُبِينُ، وَشِفَاؤُهُ النَّافِعُ، عِصْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، وَنَجَاةٌ لِمَنْ تَبِعَهُ، لَا يَعْوَجُّ فَيُقَام، وَلَا يَزِيغُ فَيتَشَعَّبُ، وَلَا تَنْقَضِى عَجَائِبُهُ، وَلَا يَخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّدِّ، هُوَ الَّذِى سَمِعَتْهُ الْجِنُّ فَلَمْ تَتَنَاهَ أَنْ وَلَّوا إلى قومهم منذرين، قَالُوا: يَا قَوْمَنَا؛ ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ هُدىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَقَامَ إِليْهِ رَجُلٌ فقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الْفِتْنَةِ، هَلْ سَأَلْتَ عَنْهَا رَسُولَ الله - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِه الآيَةُ مِنْ قَوْل الله ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لَا تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ الله - ﷺ - حَىٌّ بَيْنَ أَظهُرِنَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله: مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ التى أخبركم الله بها؟ فقال يا على إن أمَّتِى سيفتنون مِنْ بَعَدِى، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله: أَوْ لَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِى يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَن اسْتُشْهِدَ مِن الْمُسْلِمينَ وَحَزِنْتَ عَلَى الشَّهَادَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَىَّ، فَقُلْتَ لِى: أَبْشِرْ يا صديق فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ، فَقَالَ لِى: فإِنَّ ذَلكَ لَكَذَلِكَ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذَا خَضِبَتْ هَذِهِ مِنْ هَذَا، وَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَتِى وَرَأسِى، فَقُلْتُ: بَأَبِى وَأُمِّى يَا رَسُولَ الله لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ وَلَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى وَالشُّكْرِ، فَقَالَ لِى: أَجَلْ، ثُمَّ قَالَ لِى: يَا عَلِىُّ: إِنَّكَ بَاقٍ بَعْدِى وَمُبتَلًى بِأُمَّتِى، وَمُخَاصَمٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَى الله، فَأَعِدَّ جَوَابًا، فَقُلْتُ: بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى بَيِّنْ لِى هَذِهِ الْفِتْنَةَ الَّتِى يُبْتَلُونَ بِهَا وَعَلَى مَا أُجَاهِدُهُمْ بَعْدَكَ، فَقَالَ: إِنَّكَ سَتُقَاتِلُ بَعْدِى النَّاكِثَةَ وَالْقَاسِطَةَ وَالْمَارِقَةَ وَجَلَّاهُمْ وَسَمَّاهُمْ رَجُلًا رَجُلًا ثُمَّ قَالَ لِى: وَتُجَاهِدُ أُمَّتِى عَلَى كُلِّ مَنْ خَالَفَ الْقُرْآنَ وَسُنَّتِى مِمَّنْ يَعْمَلُ فِى الدِّينِ بِالرَّأىِ وَلَا رَأىَ فِى الدِّينِ، إِنَّمَا هُوَ أَمْرُ الرَّبِّ وَنَهْيُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله فَأَرْشِدْنِى إلَى الفلج عِنْدَ الْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: نَعَمْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَاقْتَصِرْ عَلَى الْهُدَى، إِذَا قَوْمُكَ عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الهوى، وَعَطَفُوا الْقُرآنَ عَلَى الرَّأىِ، فَتَأَوَّلُوهُ بِرَأيِهِمْ تُتْبَعُ الْحُجَجُ مِنَ الْقُرْآنِ بِمُشْتَبِهَاتِ الأَشْيَاءِ الْكَاذِبَةِ عِنْدَ الطُّمَأنِينَةِ إِلَى الدُّنْيَا وَالتَّهَالُكِ وَالتَّكَاثُرِ، فَاعْطِفْ أَنْتَ الرَّأَىَ عَلَى
جمع الجوامع المعروف بـ «الجامع الكبير»ج ١٨ · ص ٢١٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي