تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تُلمَحُ دلالة التعظيم لهذا اليوم، بما تحملُه صفة الإبهام والتنكير، فتجعل النفس تذهب في تصوُّرِهِ كُلَّ مذهب، كما يقول شخص لِآخر: أنت لك شأنٌ ستعرِفُهُ يوماً ما. قال ابن عاشور: " وَخُولِفَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ فِي الْجَوَابِ مِنَ الْإِتْيَانِ بِضَمِيرِ الْوَعْدِ الْوَاقِعِ فِي كَلَامِهِمْ إِلَى الْإِتْيَانِ بَاسِمٍ ظَاهِرٍ وَهُوَ مِيعادُ يَوْمٍ لِمَا فِي هَذَا الِاسْمِ النَّكِرَةِ مِنَ الْإِبْهَامِ الَّذِي يُوَجِّهُ نُفُوسَ السَّامِعِينَ إِلَى كُلِّ وَجْهٍ مُمْكِنٍ فِي مَحْمَلِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ يَوْمُ الْبَعْثِ أَوْ يَوْمًا آخَرَ يَحِلُّ فِيهِ عَذَاب على أيمة الْكُفْرِ وَزُعَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ يَوْمُ بَدْرٍ وَلَعَلَّ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَئِذٍ هُمْ أَصْحَابُ مَقَالَةِ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَأَفَادَ تَنْكِيرُ يَوْمٍ تَهْوِيلًا وَتَعْظِيمًا بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ." (1).

ثانياً: الفصل والوصل

هذا مبحثٌ دقيق المسلك، بعيد المرمى، له الفضل في القدرة على الربط بين الجُمل، ومنه إلى فَهمِ المعنى، ولا يتأتَّى ذلك إلاَّ لمن دقَّ تأمُّلُهُ، ورهُفَ حِسُّهُ، وربطُ هذين المفهومين بعلم المعاني، هو ربطٌ موفَّقٌ؛ لما فيهما من بعدٍ دلاليٍّ، تلطُفُ فيه الملاحظة، وينبني عليه الحكم، وجُلُّ مادَّة تفسير كتاب الله الكريم مبنيِّةٌ على الفصل والوصل، فبهما تُربطُ الأفكار، وتكتمل المعاني، وتُحدَّدُ الأحكام، فكم من الإختلافات حصلت في أحكامٍ، مرجِعُها إلى الإختلاف في فَهمِ الوصل والفصل؛ ومن هنا تكمن أهميَّتُه.

أمَّا دور البلاغة في تناول هذين المفهومين فيستجلي في رصد دقَّتهما في الإستخدام، من حيث تناغُمُهما مع مقتض الحال، وتسجيلِ مواطنِ القوَّةِ والضَّعفِ في تحقيقِ المعنى المنشودِ، مع تأثير ذلك على النفوس السويَّة، فيكون لموطن الفصل أو الوصل إشعاعٌ كريم، ولمسةٌ حانية إنْ وافقا المقام المناسب لهما، وظلمةٌ مُحيِّرة في منعطفات المسير إن خالفا المقام.

وننطلقُ الآن لرصد شيء من هذه المواطن في سورة سبأ:

نأخذ موضعاً واحداً تمثَّل فيه هذا المسلك تمثُلاً واضحاً، وحقَّق فيه الوصل دون الفصل نكتةً لطيفة ما كنا لنعرِفها لولا هذا النظم، وهو قوله تعالى:

(1) التحرير والتنوير: 22/ 200.

سورة سبأ في ضوء علم المعاني · الصفحة ٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سورة سبأ في ضوء علم المعانيص ٥٦