تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ميدان دراستنا هذه؛ رغبةً في السلامة؛ ولأنَّه ـ في نظرنا ـ معدوم الفنيَّة، التي هي روح البلاغة، وسرُّ حياتِها، وقد وجدنا نظر البلاغيين فيه نسبيَّاً، فتطبيقاتهم فيه، منها ما وجدناه داخلاً في الإيجاز، ومنها ما هو داخلٌ في الإطناب.

* * * * *

رابعاً: التقييد والإطلاق

هذا الفن من فنون البلاغة واسعٌ جدَّاً؛ لأننا لا نكاد نرى تركيباً عربيَّاً إلاَّ وهو مقيَّدٌ أو مطلق، فالتقييد هو ذكر المتعلِّقات من الفضلات، والإطلاق هو تجريدُ عُمَدِ الكلام منها، ولكن القيد أو الإطلاق الذي يكون له مزيةٌ بأثارةِ لطيفةٍ من اللطائف هو المقصود من هذين المفهومين، وهنا تبرز قدرة البليغ على انتقاء القيد الذي به يبلغ مكامن التأثير، ويحرِّك ما ركد من الوجدان، وكذا يُزيله في الوقت الذي يرى إزالته من أروع البيان، فليس المهم وجود القيد أو الإطلاق، ولكن المهم كيفيَّة توظيفه داخل النص بحيث يكون مشعَّاً، يوحي بدلالة فنيَّة تتناسب ومقام الكلام.

وسنذكر ما قدرنا على التقاطه، مما قدح في أذهاننا أنَّهُ من هذا النمط من فنون البلاغة، في سورة سبأ:

• ((وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا)) (1).

القيد المذكور هنا هو (منَّا)، حيث هيَّأ لنا هذا التقييد مجالاً للتأمُّلِ في عظمة هذا الفضل، فضمير التعظيم (نا) عائدٌ إلى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ حيث حقَّق لنا دلالة تخصيص الفضل، وحقَّق لنا رصداً لتصوُّر مقدار ثمن هذا الفضل، فبمجرَّد تصور أن الله ـ تعالى ـ يقول: (منا)، فلك أن تتخيَّل ماهية هذا الفضل، وما ينطوي عليه من أسرار وأعاجيب،

(1) سورة سبأ ~ 10.

سورة سبأ في ضوء علم المعاني · الصفحة ٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سورة سبأ في ضوء علم المعانيص ٤٩