تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذكر:

مثلما يكون للحذف فنيَّةٌ وجمال، يكون لذكر كذلك، بيد أنَّ مواطن فنيَّة الذكر تكون قليلةً إذا ما قورِنت بمواطن فنيَّة الحذف، وبما أنَّ الذكر هو الأصل في نظم الكلام؛ صار العدولُ عنه لقرينة فنيةً وجمالاً، ولكن قد تتوفر القرينة، ومع هذا يكون الذكرُ، وهذا أيضاً لقرينة ترجِّحُ وجوده حتَّى يدخل في فضاء الفنيَّة التي مناط الحكم على النظم بكونِه بليغاً أو لا، أمَّا إذا لم تتوفَّر القرينة على أفضلية وجود الذكر، صار وجودُهُ عبئاً ثقيلاً، وحجر عثرةٍ يعيق انسيابية وصول الفكرة إلى المتلقي، وبالتالي سيفقد النظم فنيَّتَهُ التي تميِزُه عن الدلالة الوضعيَّة التي لا رصيدَ لها في عالم البلاغة، وقد ذكر البلاغيُّون جملة أسباب تجعل هذا الضرب من فنون البلاغة لازماً في النظم، منها: الإحتياط لضعف التعويل على القرينة، للتنبيه على غباوة السامع، لزيادة الإيضاحِ والتقرير، أو لإظهار تعظيمه، أو إهانتِه، أو لتبرُّكِ بذكرِه، أو للتلذُّذِ به، أو لكون الخبر عام النسبةِ إلى كُلِّ مسندٍ إليه، والمُرادُ تخصيصُه، ولغير ذلك من الأسباب (1).

وقد تمثلَّ هذا النوع من فنون البلاغة في عدَّة مواطن من سورةِ سبأ، نذكر منها:

فعل الأمر (قُلْ) فقد ورد خمس عشرة مرَّة في السورة، وأحيانا كثيرة يتوالى في سياقٍ واحد يمكن في غير القرآن حذفه، ولكن حينها لا يحقِّقُ ما يحقِّقُهُ ذكرُه نحو قوله تعالى:

• ((قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27))) (2).

لقد تحدَّثنا عن هذه الآيات سابقاً، وقلنا إنَّها لما كانت تتحدَّث عن تأصيل أمورٍ تتعلَّق بتوحيد الله، كان مقتضى الحال أن تُرفَدَ بمزيد عنايةٍ وتوكيد، وكان للذِّكر في هذا المقام مزيةٌ تجسَّدت من خلال إعادة ذكر لفظ (قل) خمسَ مرَّات، يقول ابن عاشور عن هذه

(1) يُنظر مفتاح العلوم / 177 , والإيضاح: 2/ 7 ـ 8.

(2) سورة سبأ ~ 24 ـ 27.

سورة سبأ في ضوء علم المعاني · الصفحة ٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سورة سبأ في ضوء علم المعانيص ٤٠