تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالمقدم، والتشويقِ إلى المؤخَّر فإنَّ ما حقُّه التقديمُ إذا أُخِّر تبقى النَّفسُ مترقبةً له، فإذا وردها يتمكَّن عندها فضلُ تمكّنٍ " (1).

• ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)) (2).

أختلف أهل التفسير والنحاة في إعراب كلمة (كافة) الواردة في هذه الآية، فمنهم من ذهب إلى أنَّها حالٌ من كاف الخطاب في قوله (أرسلناك)، ومنهم من قال إنَّها حالٌ من (الناس)، وشنَّع الزمخشري على من ذهب إلى الرأي الثاني على اعتبار أن الحال لا تتقدَّمُ على صاحبها المجرور (3)، فإذا اعتبرنا الرأي الثاني صحيحاً سنلمح اهتماماً بقضيَّة عالميَّة الرسالة التي جاء بها الرسولُ ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ، فلمَّا كان الإهتمام بهذا الإتجاه؛ قدَّم الحالَ على صاحبها لتحقيق الهدف المنشود، يقول ابن عاشور: " وَقَدَّمَ الْحَالَ عَلَى صَاحِبِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِهَا لِأَنَّهَا تَجْمَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرِسَالَتِهِ كُلِّهِمْ " (4).

• ((وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ)) (5).

الآية الكريمة تتحدَّث عن الذين يسعون في آيات الله بالصدِّ عن سماعها، والطعن فيها وغير ذلك، فلمَّا كان هذا الجرم عظيماً، كان التخويف من اقترافه مهولاً ومُخيفاً؛ لذا نرى الجار والمجرور (في العذاب) مقدَّم على المُتعلَّقِ به (محضرون)، وهذا التقديم أفاد دلالةً لم يكُن ليُفيدَها وهو متأخِّرٌ، حيث تحقَّقت دلالة تعجيل المساءة؛ لأنَّ كلمة (محضرون) لاتدُلُّ على العذاب إن قُدِّمت، فالناس كلُّهم محضرون في ذلك اليوم، بُرُّهم وفاجرُهم، ولكن لمَّا تقدَّمت ظرفيَّة العذاب، صار الخوف أعظم، والوجل أشدُّ وأقوى، والله تعالى أعلم.

• ((أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ)) (6).

(1) تفسير أبي السعود: 7/ 124.

(2) سورة سبأ ~ 28.

(3) الكشاف: 3/ 583.

(4) التحرير والتنوير: 22/ 189.

(5) سورة سبأ ~ 38.

(6) سورة سبأ ~ 40.

سورة سبأ في ضوء علم المعاني · الصفحة ٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سورة سبأ في ضوء علم المعانيص ٣٤