أمرين إمَّا عن النسبة أي الحكم المفاد من الجملة ويُسمَّى (تصديقاً) وهو إدراك النسبة بين شيئين ثبوتاً أو نفياً، وإمَّا عن أحد أجزاء الجملة المسند أو المسند إليه أو أحد المتعلِّقات ويسمى (تصوراً) (1)؛ لذلك تنقسم أدوات الإستفهام على (2):
أ ما يطلب به التصور تارة، والتصديق تارة أخرى وهو: الهمزة.
ب ما يُطلبُ به التصديق فحسب وهو: هل.
ت ما يُطلبُ به التصوُّر فحسب وهو: بقية أدوات الإستفهام.
المعنى الحقيقي للإستفهام هو طلب الفهم، وقد ورد بهذا المعنى في موضعٍ واحد فقط من سورةِ سبأ، وهو قولُهُ تعالى: ((قالُوا مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ)) (3)، فهنا أُستُعمِلَ الإستفهام على حقيقتِهِ، فهو سؤال صادر من الذين أُذِنَ لهم بالشفاعةِ إلى الملائكة، على وجه الإستعلام.
وقد يخرج الإستفهام عن هذا المعنى إلى معانٍ أخرى هي ميدان الدرس البلاغي، ففيها تتجلَّى الفكرة، وتشرق الرؤية، ويبرز الإبداع، وورد اسلوب الإستفهام في سورة سبأ في عدَّةِ مواضع قد خرج عن مجرد الإستعلام إلى تلك الإشراقات الدلالية وهي:
- التعجُّب: تجسَّد في الآيات التالية:
• ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)) (4)
نلاحظ أن الآية وردت على لسان الكافرين بصيغة الإستفهام الذي يشوبه التعجب والسخرية، أما التعجَّب فمتأتي من استبعادِهم عودة الحياة بعد الموت والتمزّق، وأمَّا السخرية، فنلمحها بتنكير شخص النّّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ وهو علمٌ عندهم وهذه تعليقات بعض المفسِّرين على هذه الآية:
يقول الزمخشري: " الَّذِينَ كَفَرُوا قريش. قال بعضهم لبعض: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يعنون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم: يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب: أنكم تبعثون
(1) يُنظر علم المعاني , بسيوني: 2/ 110 ـ 111.
(2) جواهر البلاغة: 87.
(3) سورة سبأ ~ 23.
(4) سورة سبأ ~ 7.