فهذا " الغلو" ، الذي يقع من كثير من الناس اليوم ، في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ، أعظم خطراً ، وأشد نكارة ، من عمل " المولد " نفسه ، لأن عمل " المولد " ، لا يعدو كونه من البدع العملية ، والخلاف فيه قريب ، والخطْب فيه يسير .
* ولقد استغل بعض دعاة السوء ، ورؤوس الضلالة ، تلك " الموالد " لبثّ تلك القصائد المنكرة ، التي قد لا يفهم معانيها أكثر المحتفلين بها ، وإنما يسمعونها تنشد بأصوات جميلة ، فيطربون لها ، وربما رددوا بعض أبياتها ، وهم لا يفقهون ما فيها من غلو وتجاوز في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم ومدحه .
* ونحن على يقين بأن تلك الجماهير الغفيرة من المسلمين ، الذين يحرصون على حضور " المولد " ، إنما غرضهم إظهار محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه ، وحضور مجالس الذكر والخير ، وليس لهم غرض في محادة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا في مخالفة أمره ، ولو وقفوا على مافي تلك القصائد من مزالق وطامّات ، قد تفضي إلى الكفر أو الشرك ، لما رضوا بها ، ولأنكروها أشد الإنكار .
كقول البوصيري في " البردة " .
فإن من جُودك الدنيا وضّرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
وقول الآخر :
إني إذا سامني ضيمٌ يُروّعني أقول يا سيد السادات يا سندي
وقول الآخر :
توجّهْ رسول الله في كل حاجة لنا ومُهِمٍ ّ في المعاش وفي القلب
وقول الآخر :
يا من يجود على الوجود بأنعٍُم خُضْر تعُمُّ عموم صوْب الصيّب
يا من نناديه فيسمعنا على بُعد المسافة سمع أقرب أقربِ
وقول الآخر :
يا رسول الله عجِّل سيدي بزوال البؤس عنّا والضّررْ
وارحم الأمة جمعاً إنهم لم يزالوا في عناء وكدرْ
وقول الآخر :
حسبي بجاهك مأمناً ومثابة وببحر جودك مورد استغنائي
وقول الآخر :
ومرِّغ الخد في أعتاب حضرته فإن أعتابه حصن لمن دخلا
إلى غير ذلك من القصائد ، التي قيلت في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم , وتنشد في "الموالد" وفي غيرها من المناسبات المبتدعة .