* ومما يجدر التنبيه عليه أن بدعة " المولد " في الأزمنة المتأخرة كثيراً ما تشتمل على إنشاد قصائد المديح للرسول صلى الله عليه وسلم ، ولما كانت تلك القصائد لا تخلو – في العادة – من الغلو والكذب – كما رأيت في بعض أبيات قصيدة البوصيري المذكورة آنفاً ، اشتد النكير على بدع " الموالد " أكثر من غيرها من البدع ، كبدعة صلاة " الرغائب " في أول جمعة من رجب ، وكبدعة صلاة ليلة النصف من شعبان ، وبدعة صيام النصف من شعبان ، وبدعة دعاء ختم القرآن في تراويح رمضان ، وغيرها من البدع المشهورة ، فإن هذه البدع متعلقة بعبادة الله وتعظيمه ، من صلاة وصيام وذكر ودعاء ، وليس فيها مجال للغلو في أحد من المخلوقين . وليت غلاة " المولد " ، صرفوا ذلك المديح وذلك التعظيم لمن يستحقه ، وهو الله سبحانه وتعالى ، بدلاً من المخلوق .
* فلو قال القائل في مدح الرب سبحانه :
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
لكان صادقاً في قوله ولما أنكر عليه أحد .
* ولو قال في مدح الرب سبحانه :
لو لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً ، وإلا فقل يا زلة القدم
لكان محقاً فيما قال .
* وهو سبحانه الذي يستحق أن يقال عنه : " وانسب إلى قدره ما شئت من عظم "
" فإن قدر إله الكون ليس له حد فيعرب عنه ناطق بفم "
واعلم أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يسمع من عبده المدح والحمد والتعظيم والإجلال ، وفي الحديث الصحيح (( لا أحد أحب إليه المدح من الله تعالى ، من أجل ذلك مدح نفسه )) . رواه البخاري [ 9 / 280 ] ومسلم [ 2762 ] .
* وهو سبحانه (( أهل الثناء والمجد )) .
وأما مدح غير الله من المخلوقين فلا ينبغي الإسهاب فيه ولا التعدي والتجاوز فيه ، مهما بلغت رتبته وعلا قدره . قال تعالى في كتابه ﴿ فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ﴾ . النجم 32
وقال ﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ﴾ . النساء 49