تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن أحبه الله لم يضره غيره، وإن أحبه الله أحبه الصالحون، وإن أحبه الله لم يحتج لغيره، وإن أحبه الله كفي وهدي ووقي، والعبادة مع معنى المحبة عجب من الأعاجيب، إذ توقف العبد في كل وقته على أعتابه، يرضيه، ويناجيه، ويكلمه، ويسأله، ويذكره بأحسن الذكر، ويحمده بأكمل المحامد، ويطنب في الكلمات التي يحبها المحبوب، فهو دائم الذكر لـ (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) لعلمه بأن محبوبه يحبها، ولمثلها من الكلمات، كـ (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، فلا يزال لسانه مشغول بذكر محبوبه.

فإن حصل هذا كفي العبد، والله كافٍ عبده، إن شغله ذكر الله تعالى كفاه الله ما أهمه وأغمه، وأعطاه سؤله، وقضى حاجاته، ولو (أقسم على محبوبه لأبره) إذ يكره رده، ويكره مساءته، ولو خطرت في قلبه الخواطر أقامها على الحق، فلا ينطق إلا به، وإن التفت لغيره هداه للتوبة، وحين الموت ينزل إليه ملائكته بالبشرى ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾، لأنهم هم أولياء الله.

فلذلك يقول هذا الإمام العجيب في علمه وعبادته: (كفى بالله محباً) صرفاً للعبد أن يسعى لحب غيره، سائلاً إياه، أو مشغولاً بذكره، أو ساعياً لرضاه.

ومن أحب الله آنس بتلاوة كلامه، لأنه كلام المحبوب، به يتحدث عن صفاته الحسنى التي تحبها النفوس الحسنة، وبه يتحدث عما يحب ويكره، وبه يتحدث عما أعد لأوليائه، وما حذر أعداءه، وقد جعل هذا المحبوب في كلامه نوراً، يغزو القلوب فيخرجها من ظلامها، ويفتح عليها من المعارف والمعاني التي يستغرق بها أصحاب المعاني، والذين ارتقت نفوسهم من حمأة الطين إلى عالم الملكوت ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، فتنشغل القلوب بهذه المشاهد الجميلة الرائعة، والمهيبة العظيمة، فتخرق حجب الشهادة إلى عوالم الغيب، ووالله ما رأيت مثل كتاب الله في الأنس حين تغيب عوالم الشهود،

سلسلة مقالات (كلمة في حق كلمة) · الصفحة ٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سلسلة مقالات (كلمة في حق كلمة)ص ٩٩