تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أولاهما: الكثرة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) (1) وكقوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ وكقوله صلى الله عليه وسلم: (أكثروا من ذكر هادم اللذات) (2)، وكقوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾.

وأما الشرط الثاني: فهو القيام بها مع استحضار المعاني، وذلك بحضور القلب علماً وحالاً، وذلك بتأمل معانيها الكلية والفرعية، وقد يسد أحدهما ضعف الآخر، فقد يضعف الفكر فيسد بدلاً عنه كثرة الذكر، وقد يضعف الذكر فيسد بدلاً منه الفكر، ولكن إن ضعفا لم يعرف المرء حلاوة العبادة، وسيفوته الخير العظيم.

هناك معوقات قلبية تمنع هذه اللذة الإيمانية، وهي ما ذكره هذا الإمام القدوة العابد الزاهد:

أولها: ترك رضا الخلق، وعدم النظر لهم، ذلك لأن الخلق أواني فارغة، لا يضرونك بشيء إن غضبوا عليك، ولا ينفعونك بشيء إن رضوا عنك، فاصرف قلبك عن طلب رضاهم، ثم إنهم قد يرضون عنك بقلوبهم فتأبى ألسنتهم للحسد ومخالفة المنهج، ووجود الخصومة، واتباع الهوى، والأمر كما قال الشافعي: رضا الناس غاية لا تدرك، فعليك بما ينفعك فالزمه.

وطريق العبادة لا يستقيم العبد عليها إلا بالنظر للآخرة، ويجمع همه هماً واحداً وهو السعي لطلب رضا الله وتحصيل الجنة.

وطلب رضا الناس يوقع العبد في موافقتهم، وهم لا يستقرون على طلب، ولا يطيب لهم حال، وبهذا يكثر العبد التلون، ويقل الإخلاص، ويفسد الدين، وأعظم ما يفسده هذا المرض وهو طلب رضا الناس: ترك قول الحق، وخاصة للدعاة والعلماء والمذكرين، والمرء لا يذوق لذة العبادة حتى يقول الحق، وقول الحق لا

(1) رواه مسلم في صحيحه.

(2) رواه الترمذي وحسّنه.

سلسلة مقالات (كلمة في حق كلمة) · الصفحة ٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سلسلة مقالات (كلمة في حق كلمة)ص ٩٥