تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والله يسليه أن هذا من جهلهم وفسادهم، لا من ضعف تبليغك، ولا لشكهم في ما تقول.

والخصلة الثانية التي تكشفها هذه الكلمات هي خصلة الحب للآخرين؛ فهو لا يأخذ العلم ترفعاً عليهم، فهو لا يأخذ العلم ليماري به أهله، ولا ليترفع به على غيره، ولكن ليضعه في قلوب الخلق، حباً لهم، وسعياً في رفعتهم: لا يتمنى خطأهم ليصحح ويثرب، ولا يسعى لسب ولا شتم، ولكن هو يحبهم، ويترفق بهم، ليصيبوا هذا العلم، وهذه صفة العالم الذي يسعى لتحقيق معنى العلم في نفسه والآخرين.

وخصلة ثالثة في هذه الكلمة وهي عدم الحسد، فمن أحب للناس ما يحب لنفسه فقد خرج من هذه الخصلة المذمومة، وهي من أعظم أسباب الخصومات بين الناس، وما قتل ابن آدم أخاه إلا بدافع هذه الخصلة القبيحة المذمومة، وهي جريمة بين الناس عامة، وأعظم سفهاً وجرماً بين طلبة العلم والدعاة، وما تراه اليوم من قلة الأخوة والحب بينهم إلا لهذا المرض، ولا يغرنك أكاذيبهم أنهم ينتصرون للدين والعلم في هذه الردود والخصومات، فهو كذب يعلمه الناس من أنفسهم، بل هو الحسد الضارب بجرانه في قلوبهم.

ينشر أحدهم كتاباً فيحسده الآخرون، ويتكلم الكلمة في العلم فلا يراها الآخر إلا من وجه الغلط، ولو احتملت ألف وجه صحيح، زاعماً أنه يقوم الخطأ، ويصلح الكلمة، وما الحال على الحقيقة إلا صراخاً: ها أنا ذا.

لو تفكر عاقل في حال من دخل في أبواب العلم والدعوة لرأى أن الخصومات بينهم أشد من خصومة المرابين، وأنه إن سلم بينهم وقت من خصومة لرأيت أنها لا تدوم، وسرعان ما تنماث ذاهبة، وذلك لحسد القلوب، ويلقى الشر يرتقي بينهما من خلاف يسير حتى يدخل في باب الاعتقاد والإيمان، ليسهل القذف والسب والطعن.

سلسلة مقالات (كلمة في حق كلمة) · الصفحة ٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سلسلة مقالات (كلمة في حق كلمة)ص ٤٩