تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعزل الزوائد الضارة عن كل سبيل، فالنقل فيه زوائد النكارة والغلط، والرأي فيه مقررات الغلط والباطل، فحين تصفو صراحة العقل الفطري مع صحة النص المهدي تكون الشرعة واحدة.

هذا ما قام به شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو جامع للفروع والنصوص، ثم يذهب بها إلى حوار العقل ليصنع منها بلغة الزاعم للعقل والذكاء سلاحاً يهدم به أبنية الغلط عندهم.

هذه قنطرة لا يمكن تجاوزها بحجة أنه مسبوق بهذه الكلمة أو تلك، دفعاً لتهمة البدعة عنه، وذلك كما يقول البعض، فالشيخ وإن كانت كل كلماته الأصيلة قد قالها سلف له، وهذه منقبة لا تهمة، إلا أن صياغة الحق بلغة الخطاب، وهضم الحق ليخرج خلقاً جديداً في ساحة صوّحت من لغة الأثر زعماً أنهم أهل العقل والنظر تلك والله مهمة العظماء، وكان الشيخ رجلها المؤخر لها فضلاً وكرامة، وكم ترك الأول للآخر!.

مضت معارك الشيخ في زمانه مع أساطين الصنعة الكلامية، فظهر عليهم وبرز، فطاحت أمامه رؤوس، وخضعت لمعرفته الأكابر، وشهد له الجميع أنه فارس لا يسبق، وعلم يبز كل علم.

بعض محبيه تمنى أن الشيخ بقي على طريقة السالفين في الخطاب، لا ندري ما السبب في هذا، ولكن الذي أعلمه أن البعض يحب الصفاء لنفسه، ويشعر بكدرة القلب التي أصابت الشيخ الإمام النووي وهو يطالع كتاب القانون الطبي، ومثل هؤلاء العظماء يعيشون في كنف العزلة في هذا الباب، والشيخ ابن تيمية لم يرد هذا الطريق، فقد أحب أن يعيش ذوق الإيمان من خلال الخلطة والصراع، اطمئناناً بما معه من أسلحة كافية في العلم أن يخرج منتصراً، فليس هو نصف طبيب ولا نصف متكلم ولا نصف فيلسوف حتى يدخل في أجواف هؤلاء فيهضمونه في داخلهم.

سلسلة مقالات (كليمة في كتاب) · الصفحة ١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سلسلة مقالات (كليمة في كتاب)ص ١١