تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بين الزمخشري وابن المنير (14)

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛

فقد ذكر الزمخشري نكتة جيدة في إتيان من التبعيضية في تكفير السيئات، وورود التكفير من غيرها، فقال في تفسير سورة إبراهيم في قوله تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾، فإن قلت: ما معنى التبعيض في قوله من ذنوبكم؟

قلت: ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين كقوله: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾، وقوله: ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾، وقوله: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾، وقال في خطاب المؤمنين: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ - إلى أن قال- ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وغير ذلك مما يوقفك عليه الاستقراء، وكأن ذلك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد، وقيل: أريد أن يغفر لهم ما بينهم وبين الله، بخلاف ما بينهم وبين العباد من مظالم ونحوها. انتهى كلام الشيخ.

قلت: الاستقراء التام يخدم الشيخ عند كلمة ﴿ذُنُوبِكُمْ﴾ لكن لا يخدمه عند كلمة سيئاتكم، فقد وردت ﴿مِنْ﴾ التبعيضية على وجه ما يقول في خطابها للمؤمنين، وذلك في سورة البقرة عند قوله: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، ولا أعلم موطنا آخر دخلت عليه ﴿مِنْ﴾ على كلمة السيئات إلا هذا.

فإن قيل ما وجه هذا الخصوص هنا؟

قلت- والله أعلم- أن السبب هو علاقة المكفِّر (بكسر الفاء) بالمكفَّر (بفتح الراء)؛ ذلك لأن سبب التكفير ليس هو الإيمان الذي يأتي على كل سيئة، لكنه بعض الإيمان وهو الصدقة، بل وليس مطلق الصدقة، بل تقديم فضل سرها على علانيتها، ففي العلانية تكفير للسيئات كذلك، لكن السر فيها يكفر سيئات زائدة عن ذلك، فكان من

سلسلة (لحظات مع القرآن) · الصفحة ٢٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سلسلة (لحظات مع القرآن)ص ٢٦٩