تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأصل لا يسمى أصلاً إلا إذا ثبت بالدليل، وهو إنما سمي أصلاً لتأصله وتجذره وعمقه في الأرض، وإذا لم يكن كذلك لم يكن أصلاً؛ ولهذا لا بد من التماس دليل الأصل، والنظر فيه؛ حتى يتميز ثبوته في ذلك، ثم بعد ذلك هل ينظر إلى علته من جهة ظهورها أم لا؟ وهل هي علة منصوصة أو مستنبطة؟ ثم بعد ذلك ينظر إلى وجود الفرع، وانتفاء الحكم به، وهذا شرط في الفرع، فكما اشترطنا ورود الدليل في الأصل، نشترط انتفاءه عن الفرع؛ لأنه لا يليق أن نقيس فرع على أصل مع وجود الدليل فيه، فلا بد أن ينتفي الدليل في الفرع؛ حتى نلحق الفرع بالأصل؛ ولهذا نلجأ إلى دليل دون مرتبة الأقوى، والأقوى في ذلك هو الدليل من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلحاق الفرع بالأصل في مثل هذه الحال لا يليق؛ لاحتمال أن يكون هذا الدليل مخصصاً لهذا الفرع عن أن يلحق بذلك الأصل، والقياس في ذلك يجري على خلاف الدليل، وإذا كان موافقاً له وجب أن يكون الدليل متصدراً، ثم يأتي بعد ذلك إيراد القياس؛ ولهذا ليس لأحد مثلاً في المسألة السابقة المتعلقة بإتيان الرجل أهله، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وفي بضع أحدكم صدقة) أن يستدل بقياس العكس؛ لورود الدليل؛ وذلك أن الدليل هو الذي لا يجري فيه التقليد، فيجب على الإنسان أن يتبع الشارع، وتابع الشارع ليس بمقلد. والمقلد هو: الذي لم يعرف الدليل فيتبع غيره ولا يعرف الدليل، ولكن إذا اتبع الدليل بذاته فهو المجتهد الذي يستفرغ وسعه حتى يصل إلى إبرازه للعامي لكي يقتنع، وإذا برز لديه بداهة ليس بحاجة إلى أن يوصف بالتقليد؛ لهذا نقول: إن ورود الدليل في القياس لا بد أن يتوفر في الأصل ظاهراً، وينتفي من الفرع؛ خشية ورود التخصيص، وإذا ورد في الفرع وكان مؤيداً للعلة فيصدر الدليل ويؤخر القياس.

سلسلة أصول الفقه · الصفحة ١٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سلسلة أصول الفقهص ١٧٤