تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والخَبتُ أصلة في كلام العرب: هو المكان المنخفض من الأرض، وابن عباس رضي الله عنه يفسر:} وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ {بالمتواضعين، ومجاهد رحمه الله -من التابعين- يقول: المخبت:' المطمئن إلى الله جل جلاله'. ويقول الأخفش: المخبتون:' الخاشعون' ويفسره إبراهيم النخعي رحمه الله:' بالمصلين المخلصين' وفسره الكلبي:' بالرقيقة قلوبهم' وفسره عمر بن أوس:' بالذين لا يظلمون وإذا ظُلموا لم ينتصروا '. وهذه الأقوال جميعًا- كما يقول الحافظ بن ابن القيم رحمه الله- تدور على معنيين: التواضع والسكون لله عز وجل ... وبهذا نعرف أن الإخبات مقارب للخشوع، لكن الخشوع يصحبه ذل القلب وانكساره، ويؤثر لين القلب مع المحبة والتعظيم.

أما: الفرق بين الخشوع وبين الخضوع: فبينهما تقارب أيضاًَ، وقد قيل:

أن الخضوع: بالبدن، يقال: فلان خضع لفلان، وإن كان قلبه لم يخضع له، فالخضوع في البدن وهو الإقرار بالاستخذاء، فيستسلم لمن خضع له.

وأما الخشوع: فيكون في القلب، والبدن، والصوت، والبصر، فيظهر هذا على بصره وجوارحه، فأصل الخضوع: هو الذل والانقياد، فإذا قيل خضوع القلب فهو: ذل القلب، وإذا قيل 'خضوع البدن ' فهو انقياده واستسلامه.

وأما: الفرق بين الخشوع وبين الضراعة: فكذلك بينهما تقارب، وقد قيل: أكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح في الظاهر، وإن كان أيضاً يرتبط بالقلب بلا شك، وأما الضراعة: فأكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب،

وأصل الضراعة في كلام العرب: الذل والخضوع. وبهذا نعرف أنها معان متقاربة.

ثالثًا: فيما يتعلق بأهمية الخشوع ومنزلته: فهو بلا شك في غاية الأهمية، ومن فقده؛ فقد واجباً من واجبات الإيمان، ومما يدل على أهميته:

1 - أنه واجب من واجبات الصلاة: على قول طائفة من أهل العلم، وممن اختار هذا القول: القرطبي صاحب التفسير، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله [انظر: مجموع القتاوى 22/ 553 - 557]. والحافظ ابن القيم [انظر الوابل الصيب ص 24]. وطائفة من السلف والخلف. وقد استدل شيخ الإسلام ابن تيميه على أن الخشوع واجب من واجبات الصلاة بأدلة متعددة منها:

الدليل الأول: أن الله عز وجل قال:} وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [45] ﴿[سورة البقرة]. يقول مبيناً وجه هذا الاستدلال:'وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين:﴾ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [45] ﴿[سورة البقرة]. فغير الخاشع تكون كبيرة عليه، فمعنى ذلك أنه مذموم، لأن الله قال:﴾ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ... [143] ﴿[سورة البقرة]. فهؤلاء الذين يكبر عليهم التحول من بيت المقدس إلى الكعبة، فهؤلاء فقدوا أساسًا وأمراً عظيماً، حيث إنهم خرجوا عن هذا الوصف:﴾ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ... [143] ﴿[سورة البقرة]. والله عز وجل يقول:﴾ ... كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ... [13] {

سلسلة أعمال القلوب .. · الصفحة ٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سلسلة أعمال القلوب ..ص ٦٩