وقد استدلوا على ذلك بما يأتي:
أولاً: إنه أمرٌ حقيقته لغةً وشرعاً بدليل قول الأعرابي للنبي - صلى الله عليه وسلم - (آلله أمرك بهذا) (1)، ففهم الأعرابي من أمر الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يأمره بذلك أنه مامور بذلك المأمور به، وذلك بواسطة النبي - صلى الله عليه وسلم - فبادر إلى الطاعة. (2)
وقد نوقش هذا بأنه يفهم من الحديث بأن الآمر هو الله - جل جلاله - والنبي - صلى الله عليه وسلم - مبلغ عنه، ولو صدر الأمر منه - عليه السلام - لوجبت طاعته لورود الدليل في ذلك. (3)
ثانياً: استدل بعضهم بما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بما قال لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما طلق ابنه عبد الله امرأته في الحيض: ((مره فليراجعها حتى تطهر)) وفي رواية أخرى: فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها. (4)
وجه الدلالة: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عمر - رضي الله عنه - أن يأمر ابنه عبد الله - رضي الله عنه - فكان واجباً عليه أن يمتثل لأمر أبيه. (5)
وقد نوقش بأن المراجعة لم تكن واجبة على عبد الله لما كان الأمر له من أبيه، ولا تكون كذلك إلا بدليل وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - آمر وعمر - رضي الله عنه - مبلغ. (6)
رأي الإمام سليم الرازي:
قال الإمام سليم: إذا أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يأمر أمته بشيء فإن ذلك الشيء يجب فعله عليهم من حيث المعنى، وهكذا إذ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الواحد من أمته أن يأمر غيره بشيء كان دالاً على وجوب الفعل عليه، ويصير ذلك بمنزلة ورود الأمر ابتداءً عليه. أ. هـ (7)
(1) رواه البخاري، كتاب العلم، باب ما جاء في العلم وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾، رقم (62).
(2) ينظر: البحر المحيط: 2/ 211.
(3) ينظر: روضة الناظر: 2/ 634.
(4) رواه البخاري، كتاب الطلاق، باب إذا طلقت الحائض؛ مسلم، كتاب الطلاق، رقم (1471)؛ أبو داود، كتاب الطلاق، باب في طلاق السنة .. : 2/ 261، رقم (2179) و (2180).
(5) ينظر: البحر المحيط: 2/ 411.
(6) ينظر: تشنيف السامع: 1/ 311.
(7) ينظر رأي الإمام سليم في تشنيف المسامع: 1/ 310؛ البحر المحيط: 2/ 411.