إذا تعددت الاستثناءات وكان بعضها معطوفاً إلى بعض، كان الكل عائداً إلى الأول المستثنى منه، وأسقط المجموع من العدد ويلزم الباقي. مثال ذلك: قوله له علي عشرة إلا أربعة، وإلا ثلاثة وإلا اثنين، فليزم واحد (1)، وأما إذا لم يكن هناك حرف عطف نحو قوله: له على عشرة إلا درهمين، إلا درهماً، فأسقط من الدرهمين الذين استثناهما من العشرة درهماً فبقي درهم فيلزمه تسعة (2). وقد اختلف العلماء في صحة الاستثناء من الاستثناء على قولين:
أولاً: يصح الاستثناء من الاستثناء، وبه قال الحنفية (3)، والشافعية (4)، والحنابلة (5)، وهو قول المعتزلة (6).
واستدلوا على قولهم: بقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (7)
وجه الدلالة: إن الاستثناء الأول كان من المهلَكين ثم فهم منه الإنجاء، والاستثناء الثاني من المنجين، فإنما فهم منه أنها من المهلكين. (8)
القول الثاني: لا يجوز الاستثناء من الاستثناء وهو محكي عن بعض أهل العربية لأن العامل في الاستثناء الفعل الأول بتقدير حرف الاستثناء ولا يعمل عامل في أحد المحمولين. (9)
رأي الإمام سليم الرازي:
وافق سليم الرازي أصحاب القول الأول فيما ذهبوا إليه من صحة جواز الاستثناء من الاستثناء حيث قال: (يرجع كل واحد إلى الذي يليه فإذا قال له: عليَّ عشرة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحداً) (10)
(1) البحر المحيط: 3/ 304.
(2) المصدر نفسه، وينظر: شرح تنقيح الفصول: 112؛ شرح الكوكب المنير: 3/ 335 وما بعدها.
(3) أصول السرخسي: 1/ 37؛ أصول الجصاص 1/ 261؛ التمهيد للأسنوي: ص385.
(4) الإبهاج: 2/ 152؛ البحر المحيط: 3/ 305.
(5) العدة: 1/ 409؛ التمهيد لأبي الخطاب: 2/ 98؛ شرح الكوكب المنير: 3/ 334.
(6) المعتمد: 1/ 270.
(7) الحجر: 58 - 60.
(8) أصول السرخسي: 1/ 37؛ العدة: 1/ 409؛ البحر المحيط: 3/ 304.
(9) البحر المحيط: 3/ 304؛ الاستغناء في أحكام الاستثناء: ص150.
(10) البحر المحيط: 3/ 305.