القول الأول: إنه يسمى استثناء حقيقة، وبه قال بعض الحنفية، وعليه القاضي الباقلاني، والباجي من الماللكية (1) , وقد نقل عن الإمام الشافعي ما يؤيد هذا حيث روى الغزالي عنه في مسألة الإقرار أنه قال: (لو قال له على مائة درهم إلا ثوباً صح ويكون معناه إلا قيمة ثوب) (2). وبه قال أيضاً ابن حزم الظاهري (3)، وبعض أهل العربية. (4)
واستدلوا على قولهم بما يأتي:
أولاً: قالوا: إن هذا في كتاب الله تعالى منه الكثير كما في قوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلا سَلاماً﴾ (5)، والسلام ليس من جنس اللغو. وكما في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيس﴾ (6) وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (7) وهو من الجن لا الملائكة. (8)
ثانياً: قالوا: إن هذا الاستثناء مستعمل في اللغة العربية فقد قال الشاعر:
وبلدة ليس فيها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس (9)
فاستثنى من العيس ما ليس من جنسه. (10)
وقد أجيب عليه: بأنه استثناء من الأنيس وهو مما يستأنس به. (11)
(1) تيسير التحرير: 1/ 303؛ إحكام الفصول: ص185.
(2) المستصفى: 2/ 167؛ وسيأني كلام الرازي في المحصول: 1/، أنه لا يصح الاستثناء من المعنى.
(3) الأحكام لابن حزم: مج 1/ 420.
(4) وهو قول ابن جني من أهل اللغة، البحر المحيط: 3/ 281.
(5) مريم: 62
(6) ص: 73 - 74.
(7) الكهف: 50.
(8) ميزان الأصول: 1/ 458؛ العدة: 1/ 413–414.
(9) شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب: ص289، تأليف الإمام أبي محمد عبد الله بن هشام الأنصاري المصري، دار الطلائع للنشر والتوزيع والتصدير.
(10) المصدر نفسه.
(11) ميزان الأصول: 1/ 458؛ العدة: 1/ 413–414.