وقد نجحت هذه الطريقة إلي حد ما ، وأوجدت فيهم وعياً ، فثابوا غلي رشدهم وما كان في أصل فطرتهم واعترفوا بأنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بعبادتهم تماثيل لا تملك لنفسها نفعاً ولا تدفع عنها بأساً ، وظلموا إبراهيم ( عليه السلام ) بصدهم عن دعوته ، وإعراضهم عما جاءهم به من الآيات البينات على التوحيد وإخلاص العبادة لله رب العالمين ، لكنهم لم يلبثوا أن ركبوا رؤوسهم ونكصوا على أعقابهم وارتكسوا في حمأة الضلال والحيرة عصبية لما ورثوه عن آبائهم من الشرك والبهتان المبين.قال الله تعالى (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) لقد ازداد طريق الحق وضوحاً وبياناً ، واستحكمت حلقات الحجة لإبراهيم على أبيه وقومه ، وحق له أن يضيق ذرعاً من صدورهم وأن يتأفف ضجراً من طغيانهم وشركهم ، وأن ينكر عليهم ذلك إنكاراً صارخاً ويرميهم بالخبال وإلغاء العقول (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ).لقد أخذت الحمية الجاهلية للباطل من نفوس قوم إبراهيم ( عليه السلام ) مأخذها وتمكنت منهم العصبية لظاغوت التقليد للآباء فيما أصيبوا به من الشرك والانحراف عن الحق حتى ملكت مشاعرهم ووجهت عقولهم وأفكارهم إلي شر وجهة ، وصرفتهم عن الحق المبين والصراط المستقيم ، وزينت لهم أن يتخلصوا من إبراهيم ( عليه السلام ) وينزلوا به أشد العقاب انتصاراً لألهتهم الباطلة ، وانتقاماً منه جزاء له عما صنع بها من تحطيم وتكسير.
ويعلم الله أنه ما أراد بذلك إلا الخير لهم ، وإخراجهم من ظلمات الشرك إلي نور التوحيد. (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ).