وقد شهدت بذلك الفطر السليمة أيضاً ، فإن الخلق جميعاً يرفعون أكفهم إلي السماء عند الدعاء بمقتضي فطرهم وبدافعس قوى من طباعهم التى لم بداخلها إلحاد ولم ينحرف بها عن جادة الحق تمويه ولا تلبيس ، ويتصدون جهة العلو بقلوب كلها خشوع وضراعة إلي الله راجين أن يتقبل أعمالهم ، ويستجيب دعاءهم ، ويسبغ عليهم نعمه ، ويعمهم بفضله وإحسانه.
وقد ذكر محمد بن طاهر المقدسى ، أن الشيخ أبا جعفر الهمدانى حضر مجلس الأستاذ أبي المعالى الجوينى المعروف بإمام الحرمين ، وهو يتكلمس في نفى صفة العلو ، ويقول : كان الله ولا عرش ، وهو الآن على ما كان ، فقال الشيخ أبو جعفر أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التى نجدها في قلوبنا فإنه ما قال عارف قط : يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة طلب العلو ، لا يلتفت يمنه ولا يسره ، فكيف تدفع بهذه الضرورة عن أنفسنا ، قال : فلطم أبو المعالى على رأسه ونزل . وأظنه قال : وبكى ، وقال : حيرتى الهمدانى حيرتى ، وكأن الشيخ أبا جعفر أراد أن هذا أمر فطرى ، فطر الله عليه من غير أن يتلقوه عن المرسلين ، يجدون في قلوبهم طلباً ضرورياً يدفعهم للتوجه إلي الله وطلبه في العلو.
فإن قيل : إن رفع الأيدى إلي السماء وتوجه القلوب إلي جهة العلو إنما كان من أجل أن السماء قبلة الدعاء ، كما أن الكعبة قبلة الصلاة ، لا لأن الله في السماء فوق عباده ، ثم منقوض بشرع السجود ووضع الجبهة على الأرض مع أن الله ليس في وجهة الأرض.
أجيب أولاً : بمنع أن تكون السماء قبلة الدعاء فإن كون الشيء قبلة لا يعرف إلا من طريق الشرع ولم يثبت في جعل السماء قبلة للدعاء كتاب ولا سنة ، ولا قال بقه أحد من سلف الأمة وهو لا يخفي على جميعهم مثل هذا الأمر.