قال : الناس يقولون السلام عليك ، يا أمير المؤمنين ، وأنت تقول يا سليمان .
قال : لأني لم أبايعك بالخلافة ، فأنت بويعت بالخلافة على غير رضى مني ، فكيف اسميك أمير المؤمنين ؟
قال : ما لنا نحب الحياة ونكره الموت يا قيس ؟
قال : لأنكم عمرتم حياتكم ، وخربتم خرتكم ، فأنتم تكرهون الانتقال من العمار إلى الخراب .
قال : ما رأيك أن تصحبنا ، وأعطيك نصف ملكي ؟
قال : لا. إن الله قال ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (هود: من الآية 113) .
قال : ونصف الملك ؟
قال : كم تعطيني من جناح البعوضة ؟ أتعطيني نصف جناح بعوضة ؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم : (( لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ))(1) ثم خرج وتركه .
وكان سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، يطوف بالبيت فمر سليمان هذا بالموكب والوزراء والأمراء ، فلما رآه توقف فاقترب منه ، وقال : يا سالم ، ألك إلى حاجة ؟
قال : يا سليمان ، أما تستحي من الله ؟ تعرض علي المسائل في بيت الله .
فتره ، فلما خرج عرض عليه السؤال ، قال : ألك إلي حاجة؟
قال : من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة ؟
قال : بل من حوائج الدنيا ، أما الآخرة فلا يملكها إلا الله .
قال : والله ، الذي لا إله إلا هو ما سالت حوائج الدنيا من الذي يملكها ، وهو الله ،فكيف اسألها منك؟
وهذا درس لنا : بان نعلم أن ما عند الله هو الباقي ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (النحل: من الآية 96) ، وان افضل ما يمكن أن يكنزه العبد ، هو : العبادة، والصلاح، والعلم النافع ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: من الآية 17) .
(1) صحيح ، رواه الترمذي ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (943).