تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويرى في موضع آخر أن الكاتب لا يستطيع أن يتجاوز المرأة وإن تجاوزها فهذا يعني أنه تجاوز نبضه، ودورته الدموية وبذلك يدخل في التكلس والموت، إذ لا أحد تجاوز المرأة إلاَّ تحول إلى إسفنجة أو إلى مسمار أو إلى منحرف جنسي(16) لأن المرأة هي التي تشعل فينا شهوة الكتابة وتستولدنا القصائد كما نستولدها الأطفال عندما تلغي زمن الرجل الخاص وتدخله في زمنها هي(17) .

المرأة عند نزار قباني هي جواز سفره، وبطاقة هويته، وهي كل تاريخه الثقافي والحضاري، بل هي ذاته الحاضرة الغائبة دوماً، تختزل عناصر الحياة الأربعة، تختزل الفصول الأربعة، تختزل العالم كله في نظرة أو في إشارة أو حركة، وهي كالبرق تلمع لتضيء غياهب نفسه وظلماتها ثم تختفي بالسرعة نفسها التي أضاءت بها تلك الغياهب. يعثر عليها تارة وتضيع منه في معظم الأطوار، فتشكل بذلك الحضور والغياب في الوقت نفسه، إنها قارب نجاة أحياناً ومرفأ أمان أحياناً أخرى، ولكنها في معظم الأحيان عاصفة هوجاء ومصدر ضياع وقلق وخوف ورهبة وحزن أبدي وإن تخلله من حين إلى آخر بعض فواصل من السرور، إنها داؤه العضال لكنها مسكن هذا الداء في ذات الوقت. ولكن مع ذلك فقليلات هن النساء اللواتي ضربن جهازه العصبي فكتب فيهن شعراً، وما كل امرأة عرفها حركت رياح الشعر في داخله، ولا كل علاقة نسائية فتحت شهيته إلى الكتابة، كثيرات من النساء ذهبن من حياته كما أتين، ولم يتركن وراءهن حرفاً ولا فاصلة، فقد كان دائماً في داخله يتصارع الرجل والشاعر كما يقول: بيد أنه يقول شعرياً:

ليس عندي قصيدة ذات شأن

لم تضع رأسها على ركبتيك

أنت أصل الأشياء.. هل ثم شعر

جيد لم يمر بين يديك؟ ... (18)

ويقول في موضع آخر:

يا امرأة أحبها..

تفجر الشعر إذا داست على أي حجر(19)

فمن هي (المرأة ـ الشعر)، إذن،؟ وكيف تأتيه القناعة الشعرية؟

شعرية المرأة وأنوثة القصيدة - قراءة في شعر نزار قباني - · الصفحة ٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شعرية المرأة وأنوثة القصيدة - قراءة في شعر نزار قباني -ص ٨٢