تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إننا نتكلّم دون لسان، ولكن حواسنا المادية هي التي تُفصح عما في الباطن، والتي تجعل الآخر يسمعنا، فيشهد بعضنا بعضاً سمعاً، كما نشهد بعضنا بالبصر. نحن كحادث من فيوضات ربانية أبدية، المعلوم، والدليل الأوضح على الله، وعلى طبيعة الفيوضات الربانية الإبداعية، لأننا لم نأخذ علمنا إلا منه. وما أفاض علينا إلا ممَّا في نفسه، وما قدرنا إلا من قدرته، فكل اسم لنا وللعالم، صفة، هي له، ونحن نحصل عليها بالوهب لما يريد. فنحن وإن عرفنا بعض صفات الحق فهو لا يُعرف، لأننا لا نعرفه إلا بالمبدعات في المادة، وأين الله من المادة، وماذا عرفنا عن المادة؟. إن ما نعرفه هو الأسماء. من أسمائه المصور، ونحن نشاهد صوراً لا تنتهي، فأين الصور من المصّور وإن كانت دليلاً عليه؟. الأسماء صفات ثابتة وأزلية تكشف عن محتوى الذات وإبداعها وقدرتها في صور الطبيعة، فتظهر الأسماء بعد أن كانت باطنة في ذات الحق بعلمه في الطبيعة واقتداره عليها ﴿ وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً ﴾ (فاطر/44). القدرة من نتائج العلم، فلا يعجز العالم بالأشياء عن التأثير فيها. لهذا كان الماء سبباً لظهور الأحياء، ولكنه ليس السبب الوحيد، لأن الأرض التي تكوّنت بكل تفاصيلها وعناصرها واكتملت، وأصبحت صالحة للأحياء، كان الماء هو اللحظة الفاصلة بينها وبين الإنماء. وبنزوله عليها أنبتت من كل زوج بهيج ﴿ وآيةٌ لهم الأرض الميتةُ أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون ﴾ (يس/33). كانت ميتة قبل جريان الماء ـ فـ ﴿ جعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ﴾ (يس/34). بما انفجر فيها من العيون ظهرت الجنات ﴿ ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون ﴾ (يس/35).

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٧٦