تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما إذا كان يعرف كل شيء عن تفاعلات الطبيعة، أو هو الذي وضع لها هذه القوانين فإنه سيتمكن من التحكم في حركاتها وسكناتها، وستكون بين يديه مثل حروف اللغة التي نستخدمها كما نريد للتعبير عن أفكارنا. ولا فرق من حيث النتيجة أن نعرف قوانين الطبيعة أو أن نضع لها القوانين. ونحن الآن كبشر نصنع مركِّبات جديدة من معرفتنا بعناصر الطبيعة. ولا أظن بأننا نستطيع أن ندعي بأننا سنكون أكثر خبرة في هذا المجال من الخالق الذي أعطانا العلم والعقل الذي نصنع به ما نصنع. بل إنه قد جعلنا الدليل عليه ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتّى يتبيَّن لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ (فصلت/53). وسنجد كلّما ازددنا وعياً بأنفسنا ومعرفة لها بأننا الدليل الأكبر عليه، وإن كانت الأكوان وما فيها أدلة إضافية. إننا نعرف الآن أكثر من العصور السابقة بأننا نستطيع أن نبتكر من المادة مركَّبات جديدة غير موجودة في الطبيعة بشكل خام، كالبلاستيك مثلاً، وأن نصنع منه ما يلائم حاجاتنا الحياتية. هذا ابتكار إنساني. وإذا قسنا الأمر لنفهم بعض صفات الخالق على أنفسنا بما أن المعلوم هو وسيلة للدلالة على المجهول، فإننا سندرك بأن الخالق الذي أعطانا العلم والعقل هو أقدر منا على تسخير المادة لإبداعه. وإنّ المادة وإن كانت أزلية فهي بشكلها الخام لا تصلح لكل خلق وإبداع، ولابدَّ من تكييفها وتركيبها وفق حاجات الصانع والمصنوع لكي يتحقق المطلوب من استخدامها، بحيث تبرز في المصنوع إرادة الصانع دون زيادة أو نقصان. فالمادة ليست من العدم ولكن المادة الخام في الطبيعة ليست هي المادة المستخدمة في الصناعة. والمادة لو كان لها من نفسها قدرة حتّى ولو كانت عمياء أو عشوائية فإنها ستكون في تعارض مع إرادة الصانع، ولن تستجيب دائماً لهذه الإرادة. ولكن هل يمكن أن ننظر إلى المادة كتجريد لا صفات لها في الأصل؟.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٦٩