وإن مفهوم الإسلام عن الله يتوافق مع الفهم العقلي. بل إنه يشير إلى هذه الحقائق بلغة أكثر رقياً ودقة وعمقاً. لقد سئل الرسول - صلى الله عليه وسلم - [أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟. فقال: كان في عماء تحته هواء وفوقه هواء ثمَّ خلق عرشه على الماء]. العماء. بالفتح والمد: السحاب. قال أبو عبيد: لا يدري كيف كان ذلك العماء. وفي رواية "كان في عما" بالقصر، ومعناه ليس معه شيء"(كنز العمال-2951/ج10) والروايتان تعبران عن الحقيقة. فالله كان وليس معه شيء. وعندما أراد أن يخلق الخلق، وتنفس الوجود بالهواء كناية عن سريان روح الحياة فيه ولا يتنفس إلا حي، أرسل الماء إلى كل ما أراد خلقه. فالعرش هو كناية رمزية عن مركز الملك الذي سيجلس عليه عند ظهور المملكة واعداده لها. والعرش بما أنه مركز الملك لابدَّ له من مملوك حتّى تظهر المملكة، وبالنسبة إلى الله من رب وعبد. فكان "السحاب" وهو "العماء" المرحلة التي تسبق هطول المطر. والماء كما نعرف هو سبب لظهور المخلوقات، واكتساء البذور بأثوابها التي ستظهر بها، من نبات وحيوان وإنسان، لهذا كان العرش على الماء، أي كان الماء سبباً لظهور الأحياء، فظهر الخالق بالمخلوق بعد أن كان باطناً لا يعرف. وهذا ما عبّر عنه حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي جاء فيه [كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق وتعرفت إليهم فعرفوني](ختم الأولياء-290). وهكذا يتبيّن لنا أن الله كان وما زال في العالم ومع العالم، وسؤال الأينية هو سؤال عن المكان، والمكان تحتاج إليه المواد، والله ليس من مواد الطبيعة وإن كان فيها. فهو الروح المطلق المحيط بالكون والمتصرف به، والذي لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء. وسبحان ربك رب العزة عما يصفون.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٥٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي