واعلم أن الصور أوجده الله على صورة القرن، وسمي بالصور من باب تسمية الشيء باسم الشيء إذا كان مجاوراً له، أو كان منه بسبب، ولما كان هذا القرن محلاً لجميع الصور البرزخية التي تنتقل إليها الأرواح بعد الموت، وفي النوم فيه، سمي صوراً، جمع صورة، وشكله شكل القرن، أعلاه واسع وأسفله ضيق على شكل العالم، أين سعة العرش من ضيق الأرض؟... وتنتقل القوى مع الروح إلى تلك الصورة البرزخية نوعاً وموتاً، ولهذا تكون دراكة بجميع القوى سواء. فقد أعلمتك بما هو الأمر عليه. ومن هنا زلَّ القائلون بالتناسخ، لما رأوا أو سمعوا أن الأنبياء قد نبهت على انتقال الأرواح إلى هذه الصور البرزخية، وتكون فيها على صور أخلاقها. (+ ولما +) رأوا تلك الأخلاق في الحيوانات، تخيلوا في قول الأنبياء والرسل والعلماء أن ذلك راجع إلى هذه الحيوانات التي في الدار الدنيا، وأنها ترجع إلى التخليص، وذكروا ما قد علمت من مذهبهم، فأخطؤوا في النظر، وفي تأويل أقوال الرسل، وما جاء في ذلك من الكتب المنزلة. ورأوا النائم يقرب من هذا الأمر الذي شرعوا فيه، فاستروحوا من ذلك ما ذهبوا إليه. فما أُتي عليهم إلا من سوء التأويل في القول الصحيح. وهذا معنى قوله: ﴿ ليبلوكم ﴾ أي يختبر عقولكم بالموت والحياة "أيكم أحسن عملاً" بالخوض فيهما والنظر، فيرى من يصيب منكم ومن يخطئ، كأهل التناسخ. وجعل ذلك كله دليلاً واضحاً، ونصبه برهاناً قاطعاً على اسمه الحيّ، واسمه النور، واسمه الظاهر والباطن والأوّل والآخر، ليعلم نسبة العالم من موجده، وأنه غير مستقل بنفسه، وأن افتقاره إلى الله افتقار ذاتيّ لا ينفك عنه طرفة عين، وأن النسب دائمة الحكم لبقاء وجود الأعيان. وهو العزيز المنيع الحمى عن أن يدركه خلقه، أو يحاط بشيء من علمه إلا بما شاء، وهو الغفور الذي ستر العقول عن إدراك كنهه أو كنه جلاله.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٤٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٤٤٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي