تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

"القوى الحسية... هي أتم القوى لأن لها الاسم الوهاب، لأنها هي التي تهب للقوى الروحانية ما تتصرف فيه، وما يكون به حياتها العلمية، من قوة خيال وفكر وحفظ وتصور ووهم وعقل. وكل ذلك من مواد هذه القوى الحسية. ولهذا قال الله تعالى في الذي أحبه من عباده ﴿ كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ﴾ وذكر الصورة المحسوسة، وما ذكر من القوى الروحانية شيئاً، ولا أنزل نفسه منزلتها، لأن منزلتها منزلة الافتقار إلى الحواس. والحق لا ينزل منزلة من يفتقر إلى غيره. والحواس مفتقرة إلى الله لا إلى غيره، فنزل لمن هو مفتقر إليه لم يشرك به أحداً، فأعطاها الغنى. فهي يؤخذ منها وعنها، ولا تأخذ هي من سائر القوى إلا من الله. فاعرف شرف الحس وقدره، وإنه عين الحق. ولهذا لا تكمل النشأة الآخرة إلا بوجود الحس والمحسوس، لأنها لا تكمل إلا بالحق. فالقوى الحسية هم الخلفاء على الحقيقة في أرض هذه النشأة عن الله. ألا تراه سبحانه كيف وصف نفسه بكونه، سميعاً بصيراً متكلماً حياً عالماً قادراً مريداً، وهذه كلها صفات لها أثر في المحسوس؛ ويحس الإنسان من نفسه بقيام هذه القوى به، ولم يصف سبحانه نفسه بأنه عاقل، ولا مفكر، ولا متخيل، وما أبقى له من القوى الروحانية إلا ما للحس مشاركة فيه، وهو الحافظ والمصور، فإن الحس له أثر في الحفظ والتصوير. فلولا الاشتراك ما وصف الحق بهما نفسه، فهو الحافظ المصور، فهاتان صفتان روحانية وحسية. فتنبه لما نبهناك عليه لئلا ينكسر قلبك لما أنزلتك منزلة القوى الحسية لخساسة الحسّ عندك، وشرف العقل. فأعلمتك أن الشرف كله في الحس، وإنك جهلت أمرك وقدرك. فلو علمت نفسك علمت ربك، كما إن ربك علمك وعلم العالم بعلمه بنفسه. وأنت صورته، فلا بد أن تشاركه في هذا العلم، فتعلمه من علمك بنفسك.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٤٢٨