فقلد ربك، إذ ولا بدّ من التقليد، ولا تقلد عقلك في تأويله، فإن عقلك قد أجمع معك على التقليد بصحة هذا القول إنه عن الله. فما لك منازع منك يقدح فيما عندك، فلا تقلد عقلك في التأويل، واصرف علمه إلى الله قائله، ثم اعمل حتى تنزل في العلم به كهو، فحينئذ تكون عارفاً وتلك المعرفة المطلوبة به والعلم الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وبعد أن تقرّر هذا فلنرجع إلى الطريقة المعهودة في هذا الباب التي بأيدي الناس من أهله. فإن هذه الطريقة التي نبهناك عليها طريقة غريبة فنقول: إن المحاسي ذكر أن المعرفة هي العلم بأربعة أشياء، الله والنفس والدنيا والشيطان. والذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن المعرفة بالله ما لها طرق إلا المعرفة بالنفس ـ فقال [من عرف نفسه عرف ربه] وقال أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه، فجعلك دليلاً، أي جعل معرفتك بك دليلاً على معرفتك به. فإمّا بطريقة ما وصفك بما وصف به نفسه من ذات وصفات، وجَعْله إياك خليفة نائباً عنه في أرضه، وإمّا بما أنت عليه من الافتقار إليه في وجودك. وأما الأمران معاً لا بدّ من ذلك ورأينا الله يقول في العلم بالله المعبر عنه بالمعرفة ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ﴾ فأحالنا الحق على الآفاق، هو ما خرج عنا، وعلى أنفسنا وهو ما نحن عليه وبه. فإذا وقفنا على الأمرين معاً حينئذ عرفناه، وتبين لنا أنه الحق. فدلالة الله أتم. وذلك أنا إذا نظرنا في نفوسنا ابتداء لم نعلم هل يعطي النظر فيما خرج عنا من العالم، وهو قوله في الآفاق، علماً بالله ما لا تعطيه نفوسنا أو كل شيء في نفوسنا. فإذا نظرنا في نفوسنا حصل لنا من العلم به ما يحصل للناظر في الآفاق. فأما الشارع فعلم أن النفس جامعة لحقائق العالم، فجمعك عليك حرصاً منه. كما قال فيه "حريصٌ عليكم" حتى تقرب الدلالة فتفوز معجلاً بالعلم بالله فتسعد به.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٢٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٤٢٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي