تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد نبهتك على أمر ما طرق سمعك، فإن العقلاء من أهل النظر يتخيلون أنهم علماء بما أعطاهم النظر والحس والعقل، وهم في مقام التقليد لهم، وما من قوّة إلا لها غلط قد علموه، ومع هذا غالطوا أنفسهم، وفرقوا بين ما يغلط فيه الحس والعقل والفكر، وبين ما لا يغلط فيه. وما يدريهم لعل الذي جعلوه غلطاً يكون صحيحاً. ولا مزيل لهذا الداء العضال إلا من يكون علمه بكل معلوم بالله لا بغيره. وهو سبحانه عالم بذاته لا بأمر زائد، فلا بدّ أن تكون أنت عالماً بما يعلمه به سبحانه، لأنك قلدت من يعلم ولا يجهل، ولا يقلِّد في علمه، وكل من يقلد سوى الله، فإنه قلد من يدخله الغلط، وتكون إصابته بالاتفاق. فإن قيل لنا ومن أين علمت هذا، وربما دخل لك الغلط وما تشعر به في هذه التقسيمات، وأنت فيها مقلد لمن يغلط، وهو العقل والفكر؟ قلنا صدقت. ولكن لما لم نر إلا التقليد، ترجح عندنا أن نقلد هذا المسمى برسول، والمسمى بأنه كلام الله، وعلمنا + وعملنا + عليه تقليداً، حتى كان الحق سمعنا وبصرنا فعلمنا الأشياء بالله، وعرفنا هذه التقاسيم الله. فكان أصابتنا في تقليد هذا بالاتفاق، لأنّا قلنا مهما أصاب العقل أو شيء من القوى أمر، أمّا على ما هو عليه في نفسه إنما يكون بالاتفاق. فما قلنا إنه يخطئ في كل حال، وإنما قلنا لا نعلم خطأه من إصابته. فلما كان الحق جميع قواه، وعلم الأمور بالله، عند ذلك عَلم الإصابة في القوى من الغلط. وهذا الذي ذهبنا إليه ما يقدر أحد على إنكاره، فإنه يجده من نفسه. فإذا تقرّر هذا، فاشتغل بامتثال ما أمرك الله به من العمل بطاعته، ومراقبة قلبك فيما يخطر فيه، والحياء من الله، والوقوف عند حدوده، والانفراد به، وإيثار جنابه، حتى يكون الحق جميع قواك، فتكون على بصيرة من أمرك. وقد نصحتك إذ قد رأينا الحق أخبر عن نفسه بأمور تردّها الأدلة العقلية، والأفكار الصحيحة، مع إقامة أدلتها على تصديق المخبر، ولزوم الإيمان بها.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٤٢١