1 ـ إن الحياة سارية في كل أجزاء الوجود وعناصره. وقد قال الله ﴿ تسبح له السمواتُ السبعُ والأرضُ ومن فيهن وإنْ منْ شيءٍ إلا يسبّحُ بحمده ولكن لا تفقهونَ تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً ﴾ (الإسراء/ 44). ومهما كان نوع التسبيح أو التنزيه، وطريقته، فإنه لا يسبح إلا حي، فالوجود كله حي كما يفهم من الآية. وكما هو مدرك بالبديهة للحكماء. وإذا كان التأثير والتأثر هو علامة الحياة، فإن الوجود كله يعيش في حالة فعل وانفعال، وتأثير وتأثر، ولكن مظاهر الحياة بالنسبة إلينا، وحسب مفهومنا، تبدو أكثر أو أقل ظهوراً في المخلوقات، فحياة النبات في الربيع تبدو أكثر ظهوراً منها في الشتاء، والأذن التي نسمع بها تبدو أكثر حياة من العظام والأعصاب غير الظاهرة لنا، مع أن الحياة سارية في كل ذرة من كيان الإنسان. ونفس الأمر يسود في الطبيعة التي تنتقل فيها الصور من حياة تسمى في العرف موتاً إلى حياة جديدة. ولكن كل مظهر من مظاهر الحياة يعطي كمالاً لا يعطيه الآخر، ومن هنا ظهر التمايز في عناصر الطبيعة بما أحدثه الله فيها من الصور، وسر الحياة هو الطاقة الكامنة في المادة السارية في كل جزء منها بنسب مختلفة، من الذرة إلى المجرة. وكل طاقة تعطي الصور قدرات معينة. إننا أمام نظام يشبه الكهرباء، التي تستخدم في التسخين والتبريد والحركة، تبعاً لطبيعة الآلة. فالطاقة ينتهي تأثيرها في النبات عند حدود الإزهار أو الإثمار، لأنه منتهى كمال النبات، فكذلك لكل وجود كماله وحدوده التي لا يتجاوزها بسبب تركيبه الخاص، أو ما نسميه البصمة الوراثية بالنسبة للمخلوقات. فنحن أمام وجود غير متجانس هو الطبيعة التي تضج بالحياة والحركة بسبب سريان طاقة الحياة في كل أجزائها، وغياب التجانس بين عناصرها، الذي يؤدي بدوره للتفاعل والتنوع. كما أننا أمام طاقة متجانسة تمدّ كل ذرة بسر البقاء والحيوية في انتقالاتها عبر الصور المتجددة التي لا تنتهي.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٣١٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٣١٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي