تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعض المتصوّفة سيتعرّضون في مراحل ترقّيهم لمثل هذا الشهود، الشهود بأنّ المشيئة الإلهيّة هي الفاعلة في الكون، بمعنى أنّه لا مسؤوليّة على الإنسان فيما يفعل ولا عقاب، وكأنّ الله يبشّر العبد بالمغفرة، ومع الأسف فإنّ بعض المتصوّفة عند وقوع هذا التجلّي لهم يعفون أنفسهم من العمل والعبادة إلاّ تلك التي تقرّبهم من الناس، ويفعلون أفعالاً لا تفعلها الشياطين، بدلاً من حيائهم من الله، وزيادة الشكر له على ما بشّروا به إن كان ما شاهدوه صحيحاً، إذ ربّما كانت هذه المشاهدة من جملة امتحانات الله للعباد في العطاء. ولكن ما كل من يُعْطَى يشْكُر، فالبعض يغترّ بالعطاء فيضلّ ويكفر، لقلّة عقله وسوء أدبه مع المعطي، وهذا العمل من أسوأ الأعمال لأنّه يقابل العطاء بالضلال والإنكار. لقد مرّ الشيخ عبد القادر الجيلاني (470 ـ 561) بمثل هذا الحال بعد عبادة سنوات، وبعد أن خرقت له كثير من الأمور غير المألوفة، فظهر له هذا التجلّي كما حدّثنا عنه، ليحذّر المتصوّفة من الوقوع في تضليل الشيطان وحبائله باغترارهم بعباداتهم، وبما قد يظهر لهم ممّا يخالف الشريعة. فقال "تراءى لي نور عظيم ملأ الأفق ثمّ تدلّى فيه صورة تناديني: يا عبد القادر أنا ربّك، وقد حلّلت لك المحرّمات، فقلت إخسأ يا لَعْين. فإذا ذلك النور ظلام، وتلك الصورة دخان، ثمّ خاطبني يا عبد القادر نجوت مني بعلمك بأمر ربّك وفقهك في أحوال منازلاتك. ولقد أضللت بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطريق. فقلت لله الفضل. فقيل له: كيف علمتَ بأنّه الشيطان؟ قال: "بقوله حلّلت لك المحرّمات" (2). لهذا كان الشيخ عبد القادر يدعو المريدين لطريق المعرفة الروحيّة إلى التمسّك بالكتاب والسنّة والتزام طريق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه قائلاً: "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٢٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٢٧٦