تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد وجدنا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، وكان قد مارس العبادة قبل البعثة في غار حراء، ولكنه لم يأمر الصحابة باعتزال الناس، ولم يعرف عن الصحابة أنهم تفرغوا للعبادة كلياً، وكان بعضهم يعتكف في أواخر رمضان، ولكنهم لم ينقطعوا عن العبادة في نهار أو ليل. وفهموا أن العمل والكفاح لتأمين لقمة العيش عبادة، ووصفوا بأنهم رهبان في الليل، فرسان بالنهار. مما يجعلنا نستنتج أن العزلة الطويلة غير ضرورية إلا لمن وجد بأنه لابد له منها. فهذه نفوس وأرواح، وهناك تلاميذ ينجحون بتفوق وهم يعملون، وتلاميذ وفر لهم آباؤهم كل الظروف للنجاح ولا ينجحون. فالعبرة في صفاء النفوس وحماسها وصدقها، وليس في عزلة لا يخرج صاحبها عن التفكير في دنيا ملأت قبله وسيطرت عليه وهو يذكر الله باللسان، وربما كان بعض الذين يقيمون المشاريع الاقتصادية وقلوبهم متعلقة بالله، هم أكثر قرباً لله من ذاكرين متفرغين. فالعبرة ليست في التفرغ للعبادة، وإنما بما يحتويه القلب ويسعى إليه صاحبه. ولكن في زمننا ونظراً لتنوع الثقافات وانتشارها، لابد لمن يهيئ نفسه لمهمة المعرفة من التفرغ للاطلاع على الثقافات المنتشرة وفهمها، للحكم عليها بالموازين السليمة، اقتداء بالقرآن الذي رد على كل المعتقدات السائدة في زمنه، وأخبرنا عن المعتقدات البائدة وما حل بأهلها، وعرض كل الأمراض الفكرية والاقتصادية والجنسية التي انتشرت في كافة العصور، وبيّن موقفه منها وحكمه عليها، بعكس ما يفعله كثير من العلماء والمتصوفة الذين يعتقدون أن تلقين المسلم لواجباته الدينية فقط، وتجاهل الثقافات المحيطة به تكفي لحمايته من الانحراف. بل إن كثيراً من العلماء يعتبر تجاهل الثقافات المعاصرة وسيلة ناجحة لحماية الأجيال المسلمة. ولذلك فإن بعض العلماء لا يُسمع منهم غير كان، وكان.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٢٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٢٦٦