والآن ستدق الساعة الحاسمة في حياة الغزالي، وستهز ضميره، وتزلزل أركان حياته، إذ ما الفائدة من عمل يطلب فيه صاحبه الجوائز من أهل الدنيا، مالاً أو وجاهة، فهل سيبقى له شيء يرجوه من الله، وقد نال ما سعى إليه مما عند الناس. لمن تعمل أنت؟ ـ وإنما الأعمال بالنيات ـ مسألة أقلقت الإمام الذي كان يحتل المنصب الأعلى من الدين، والذي اعتبره العالم الإسلامي في مقام الحجة، فكان موضع حفاوة العلماء واسترضاء الأمراء والخلفاء. فهل يستطيع أن يقول لهم، وهو الفقيه الذي لا يشق له غبار، ولم يغلبه معارض، إنني أريد أن أختلي بنفسي لكي أتعلم ما أنا بحاجة إليه... من سيصدقه، ومن سيتركه وشأنه وهو في أذهان من حوله قد ختم العلم، وأحاط بالحقائق؟. ولكن شجاعة الغزالي وصدقه مع نفسه ستنتصر بعد معاناة طويلة وتردد، لكي يقدم بعد ذلك ما قدمه لنا من كنوز المعرفة اليقينية التي ستكون ثمرة جهاده الطويل مع نفسه. لنستمع إلى الغزالي وهو يروي لنا الحالات العصيبة التي سيمر بها من هو في مثل موقعه، طلباً لما هو أسمى "فلم أزل أتفكر فيه مدة وأنا بعد على مقام الاختيار، أصمم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوماً، وأحل العزم يوماً، وأقدم فيه رجلاً وأؤخر عنه أخرى، لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة إلا ويحمل عليها جند الهوى حملة فتفترها عشية. فصارت شهوات الدنيا تتجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل! الرحيل! فلم يبق من العمر إلا قليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل، فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهرب والفرار.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٢٥٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٢٥٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي