تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبما أنه لم يجد الجواب الشافي عند أغلب الخلق، فإنه توصل إلى النتيجة التي سيتوصل إليها كل حكيم، وهي أنه لابد له من مباشرة الأمر بنفسه، والإقبال على الطريق الذي رسمته الشريعة، وسنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وسلك عليه في بدايات أمره، وتبعه في ذلك الصالحون من المسلمين. يقول الغزالي وهو يروي قصة حياته وبحثه عن العلم اليقيني "أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، وعلمت أن طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل؛ وكان حاصل عملهم قطع عقبات النفس، والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى وتحليته بذكر الله. وكان العلم أيسر علي من العمل، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي رحمه الله، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي... فظهر لي أن أخص خواصهم ما لا يمكن إليه بالتعليم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات. وكم من الفَرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما، وبين أن يكون حالك الزهد وعزوف النفس عن الدنيا.

فعلمت يقيناً أنهم أرباب الأحوال لا أصحاب الأقوال، وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصّلته، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والعلم بل بالذوق والسلوك. وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقيني بالله تعالى وبالنبوة واليوم الآخر...

ولاحظت أعمالي وأحسنها التدريس والتعليم، فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة. ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت"(13).

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٢٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٢٥٤