فهو مشدود بين عالمين ـ النبوة ـ أو خلافة الله في الأرض، أو الهبوط إلى ما دون مستوى الحيوانات، إذ لديه القابلية للصعود والهبوط. وهذه القابلية كامنة في أصل تكوينه. ولهذا قال أفلاطون عن المعرفة الإنسانية بأنها تذكر. في حوار "الثئيتس" سأل على لسان سقراط "فانظر إذن إن كان يمكن أن يقتني المرء العلم دون أن يملكه"(1). وقال لمحاوره "بما أننا قد حددنا أن اقتناء العلم شيء، واحرازه أو امتلاكه شيء آخر؟ فنعلن أنه يستحيل على من اقتنى العلم أن لا يكون قد اقتناه. ومن ثمة لن يتفق لأحد أبداً أن لا يعرف مع أنه من الممكن أن يأخذ هذا الأمر عما يعرف فكرة خاطئة ويبدي فيه رأياً فاسداً. إذ يمكنه أن لا يملك معرفة ذاك الشيء، بل معرفة أخرى بدل تلك. ويحدث له هذا الأمر عندما يهب ذات مرة ليتصيد معرفة ما بين المعارف المتطايرة فيخطئها وينال بدلها أخرى. وعندئذ يعتقد أن الأحد عشر اثنا عشر، وقد التقط معرفة الأحد عشر بدلاً من معرفة الاثني عشر، وكأنه قد أمسك في ذاته بيمامة بدل حمامة" (2). لهذا ستكون مهمة الفلسفة عند أفلاطون كما سيحددها في "الجمهورية" ومثال الكهف والسجناء هي "غرض التهذيب لَفْت النفس، لترى ببصيرتها أو ذهنها وجهة الصواب. فالتهذيب لا يخلق، ولا يلقن، مبدأ جديداً، إنما يرشد ويقود إلى مبدأ موجود. وكيف تحصل هذه النهضة في النفس؟ الجواب إنها تحصل بالدرس الذي يرمي إلى اجتذاب العقل من الحسيات إلى اليقينيات. من المنظورات إلى غير المنظورات والأبديات" (3). وسيبين طبيعة تهذيب النفس بقوله "إن طبيعة التهذيب الحقيقية تخالف ما يزعمه بعض أساتذته، الذين يدعون أنهم يبثونه في العقل معرفة، كان خلواً منها، بث البصر في الأعين العمياء" (4).
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ١٧٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ١٧٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي