و حين أنشأ محمد علي مدارسه الحديثة كان محتاجاً إلى معلمين للغة العربية، ولم يكن هناك بالطبع غير الأزهر، لذا فقد اتجه محمد علي إليه وأخذ منه ما يكفي مدارسه و مكاتبه من المعلمين، فكانوا فريقاً هاماً من موظفي المدارس. المصدر السابق (ص 575).
و لكن يا ترى كيف كانت معاملته لهؤلاء الأزهريين الذين أعوزته الحاجة إليهم وقاموا بدور كبير في تدريس اللغة العربية وفروعها داخل المدارس التي أنشأها كما يشهد بذلك كل من كتب في التعليم في ذلك العصر؟
يقول الدكتور أحمد عزت عبدالكريم: وكانت الحكومة تعلم أنهم لم يكونوا يمنحون في الأزهر مرتبات كبيرة، و لهذا نراها تبخل عليهم بتلك المرتبات وترى أنهم إنما يقومون بمقاصد خيرية، ثوابها عند ربهم!! فقد كان هناك مدرسون بل رؤساء مدرسين قضوا بمدارسهم اثني عشر عاماً لا يصيبون من الحكومة إلا مائتي قرش في الشهر، وهو قدر ضئيل يناله خريج مدرسة خصوصية حديث العهد بالوظائف، ثم هي تبخل عليهم بعد هذا ببضعة قروش تضيفها إلى مرتباتهم. المصدر السابق (ص 575).
وما ذكر من تبرير ساقط لا يمكن أن يخفي أبداً مقدار البغض والاحتقار الذي كان يكنه محمد علي للأزهر ورجاله، و هذا يجعلنا نستغرب أن يصدر ذلك من رجل يحسب على الإسلام والمسلمين و يدعيه .. و لكن سرعان ما يزول هذا الاستغراب إذا عرفنا أن القائمين على التعليم في عهد محمد علي كان معظمهم من الغربيين النصارى.
على أن هناك أمراً تجدر الإشارة إليه حول ما ذكر من ضآلة الأجور والمرتبات في الأزهر والتي كان من أهم أسبابها قيام محمد علي بالاستيلاء على الأوقاف التابعة للأزهر وضمها للدولة، وبالتالي إحكام السيطرة على المشايخ والقائمين على التعليم من رجال الأزهر. انظر: قراءة جديد في تاريخ العثمانيين (ص 179).
حتى الكتاتيب التي تعلم القرآن الكريم والعلوم الأولية للناشئة من أبناء المسلمين لم تنج من غائلة محمد علي؛ فقد ذكر الجبرتي رحمه الله أن كثيراً من المكاتب أغلقت بسبب تعطل أوقافها واستيلاء محمد علي عليها. عجائب الآثار (3/ 478).
وهل يشك عاقل بعد كل هذه الحقائق التي أوردناها أن محمد علي كان صنيعة من صنائع الغرب وعميلاً من عملائهم؟!