( سئل ) عن قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه الصلاة والسلام ﴿ وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ فإن ضمير الجمع فيه عائد على الكفار بسبب كفرهم وهو لا يغفر لقوله تعالى ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ فكيف تعرض في سؤاله للعفو عنهم مع علمه بأن الله تعالى قد حكم ب إنه من يشرك به فقد حرم الله عليه الجنة ؟ ( فأجاب ) بأنه قد اختلف في تأويله على أوجه .
أحدها : أن الضمير في تعذبهم لمن مات منهم على الكفر والضمير في تغفر لهم لمن تاب منهم قبل الموت فإن عيسى علم أن بعضهم قد تاب ورجع عن ذلك .
ثانيها : أنه كان عنده أنهم أحدثوا معاصي وعملوا بعده بما لم يأمرهم به إلا أنهم على عمود دينه فقال فإن تغفر ما أحدثوا بعدي من المعاصي .
ثالثها : أنه قاله على وجه الاستعطاف لهم والرأفة بهم كما يستعطف السيد لعبده ولهذا لم يقل فإن عصوك .
رابعها : أنه قاله على وجه التسليم لأمره والاستجارة من عذابه وهو يعلم أنه لا يغفر لكافر والقول بأنه لم يعلم أن الكافر لا يغفر له اجتراء على كتاب الله ؛ لأن أخباره تعالى لا تنسخ .
خامسها : أنه ما قال إنك تغفر لهم ولكنه بنى الكلام على إن فقال إن تعذبهم عدلت ؛ لأنهم أحقاء بالعذاب ، وإن تغفر لهم مع كفرهم لم تعدل في المغفرة وجه حكمة فإن المغفرة حسنة لكل مجرم في العقول بل متى كان المجرم أعظم جرما كان العفو عنه أحسن ، وقد قال الإمام : غفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة