تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم لنا من الشرع طريق آخر، وهو ثبوت الاختيار له تعالى: )يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ(، و)فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ(، وهذا يستلزم انتفاء وجوب شيء عليه جل وعلا مطلقاً، المستلزم لصحة قضيتينا في العاصي والمطيع. وقد مر بك أن الأحكام العقلية ثلاثة حصراً، فنفي الوجوب إثبات للإمكان أو الاستحالة. ولأنه لا يستحيل دخول المطيع للجنة والعاصي للنار اتفاقاً، فبقي الجواز. ولا يخفى أن القول بجواز دخول المطيع الجنة والعاصي النار تجويز لنقيض ذلك أي لدخول المطيع النار والعاصي الجنة. فإن قيل نقيضها عدم دخول الجنة، لا دخول النار قلنا إن كل إنسان فمآله للجنة أو للنار لقوله تعالى: وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، فصارت الجنة والنار بمنزلة النقيضين حال كونهما ضدين لا يرتفعان عن القابل لهما في مآل يوم القيامة. والله تعالى أعلم. فتأمل.

وقد بين الإمام النووي أن هذه الأقوال مبنية على بعض أصول أهل السنة وهي أولاً: أنه لا يثبت بالعقل ثواب ولا عقاب، وهذه إشارة إلى مسألة الحسن والقبح التي سنتكلم فيها عما قريب. وثانياً: أن الله تعالى لا يجب عليه شيء، وهذه القضية أصل لمسألة الحسن والقبح. وثالثاً: أن الله تعالى فاعل بالاختيار، وهذا أصل للمسألتين السابقتين، وهو ما أشار إليه بقوله يفعل ما يشاء ويختار. ورابعاً: أنه لا تصرّف لأحد في الوجود إلا لله سبحانه وتعالى، أي لا فاعل إلا هو، وهو ما أشار إليه بقوله بل العالم كله في سلطانه وهذا مأخوذ من دليل الوحدانية. فلما ثبت عندنا وجوب كونه تعالى فاعلاً مختاراً واحداً أحداً متفرداً بالتصرف في هذا العالم وتدبيره ولا فاعل غيره، انتفى مبدأ العليّة في الكون مطلقاً من طريق الشرع، فانتفى وجوب شيء على الله تعالى، فصح أنه لا يثبت بالعقل ثواب ولا عقاب، ومما يفهم من ذلك أن العقل كما يجيز الثواب على المطيع فإنه يجيز العقاب عليه، ومثله يقال في حق العاصي. ولما لم يثبت شيء من الثواب والعقاب بالعقل بل ثبوته إنما هو بالشرع، نظرنا في الشرع فقرأنا حديث مسلم وغيره فقلنا: إن الله تعالى ينعّم المطيع تفضلاً ويعذب العاصي عدلاً فثبت عند العقل هاتان القضيتان على الجواز بتوسط علمنا بوجوب الصدق في خبره تعالى وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم ، وحين قرأنا قوله تعالى: )ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(، و) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(، و)فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ(، وأمثال ذلك كثير من الآيات والأحاديث التي تعد المؤمنين بالجنة والكافرين بالنار، وجب عند العقل هاتان القضيتان بتوسط وجوب الصدق وملاحظة الوعد لا من نفس القضيتين. فتنبه. وهذا ما أشار إليه النووي بقوله: (ولكن الله أخبر وخبره الصدق أنه لا يفعل هذا، بل يغفر للمؤمنين، ويدخلهم الجنة برحمته، ويعذب المنافقين ويخلدهم في النار عدلاً منه). وهذا حقيقة قول أهل السنة.

شبهات الرافضة حول الصحابة والخلفاء الراشدين · الصفحة ٥٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شبهات الرافضة حول الصحابة والخلفاء الراشدينص ٥٧٦