إذا اتضح معنى الأحكام عندك أيها القارئ فلن يصعب عليك بعد ذلك أن تحكم بأن تعذيب المطيع وتنعيم العاصي أمران بالنظر إلى ذاتيهما جائزان عقلاً، ولكنك عند ملاحظة الشرع ووعد الله سبحانه بالجنة للمؤمنين وبالنار للكفار يحكم عقلك باستحالتهما لا لذاتيهما بل لغيرهما، وغيرهما هذا هو العلم باستحالة وقوعهما المأخوذ من خبر الصادق القطعي. وكذلك فإن التكليف بما لا يطاق أمر جائز عقلاً بالنظر إلى ذاته، وإلا لما صح في العقول تصوره بل إن كل واحد منا يستطيع أن يكلف غيره بما لا يطاق؛ فالحكم بجوازه عقلاً أمر يختلف عن وقوعه أو عدم وقوعه في الشاهد، كما يختلف عن أنه هل هو ممتنع الوقوع لغيره أم لا. وليعلم خليفات بأن الآيتين الكريمتين إن سلّم أنهما تدلان على عدم وقوع التكليف بالمحال فلا تدلان أبداً على استحالة وقوعه. وليرجع من شاء إلى التفاسير، ويتأمل المعنى الذي نفته الآيتان ليدرك معنى ما نقول. وبهذا الكلام بانَ المراد من قول الأشعرية إجمالاً، وهو كاف لأذكياء القلوب في الرد على الشبهة الواردة على أهل السنة. ومع ذلك فإننا سنبحث في الشبهة وإجابتها أكثر، لما أنه قد كثر تشدق الشيعة بها.
ولنقرأ كلام النووي كاملاً معلقاً على حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لن ينجي أحداً منكم عمله، قال رجل: ولا إياك؟ يا رسول الله! قال: ولا إياي، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، ولكن سددوا). وفي رواية (برحمة منه وفضل)، وفي أخرى (بمغفرة منه ورحمة)، وفي أخرى (يتداركني) بدل (يتغمدني)؛ وفي أخرى (لا يدخل أحداً منكم عملُه الجنة، ولا يجيره من النار... إلخ). فقال النووي رحمه الله تعالى: (اعلم أن مذهب أهل السنة أنه لا يثبت بالعقل ثواب ولا عقاب، ولا إيجاب ولا تحريم، ولا غيرهما من أنواع التكليف. ولا تثبت هذه كلها ولا غيرها إلا بالشرع. ومذهب أهل السنة أيضاً أن الله تعالى لا يجب عليه شيء، تعالى الله، بل العالم ملكه والدنيا والآخرة في سلطانه يفعل ما يشاء، فلو عذب المطيعين والصالحين أجمعين وأدخلهم النار كان عدلاً منه، وإذا أكرمهم ونعمهم وأدخلهم الجنة فهو فضل منه. ولو نعم الكافرين وأدخلهم الجنة كان له ذلك. ولكن الله أخبر وخبره الصدق أنه لا يفعل هذا، بل يغفر للمؤمنين، ويدخلهم الجنة برحمته، ويعذب المنافقين ويخلدهم في النار عدلاً منه. وأما المعتزلة فيثبتون الأحكام بالعقل، ويوجبون ثواب الأعمال، ويوجبون الأصلح، ويمنعون خلاف هذا في خبط طويل لهم، تعالى الله عن اختراعاتهم الباطلة المنابذة لنصوص الشرع. وفي ظاهر هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعته. وأما قوله تعالى: )ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(، وقوله )وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ( ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يدخل بها الجنة، فلا يعارض هذه الأحاديث؛ بل معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال ثم التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها، وقبولها برحمة الله تعالى وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الأحاديث، ويصح أنه دخل بالأعمال أي بسببها وهي من الرحمة، والله أعلم.) اهـ كلامه.
أقول: إن الأشعرية لم يأتوا بهذا القول بدعاً أو عن هوى، بل هو مستنبط من الحديث الشريف، إذ بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن العمل الصالح ليس علة موجبة لدخول الجنة. وهذا يفهم أيضاً من قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(، وقوله تعالى: )وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ( فكانت العبادة مظنة ورجاء التقوى، والتقوى مظنة ورجاء الرحمة لأن لعل كلمة لا تفيد اليقين بل هي كلمة شك، والمراد من الآية الحث على العمل وتأميل العبد بالرحمة عند اتقائه وعمله بإخلاص، ولو كان التقوى والعمل موجبان للرحمة لكان التعبير بما يفيد ثبوت الثواب لا الشك فيه. فالمطلوب إتقان العمل وطلب السداد أي الصواب وهو بين الإفراط والتفريط قاله النووي، فلا تغلوا ولا تقصروا. وعند العجز فالمطلوب المقاربة أي الاقتراب من الصواب قدر الوسع. ثم إن الله سبحانه )لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(، فنعمل وسعنا ونحسن الظن بالله، وحسن الظن من حسن العمل كما ذكره علماؤنا، ونرجو رحمة الله تعالى.
ولما لم تكن الأعمال علة موجبة لدخول الجنة صحت قضيتنا: (إدخال المطيع الجنة ليس بواجب على الله تعالى) وكانت مأخوذة من الشرع. والحديث قد نفى كون الطاعة علة موجبة لدخول الجنة، فقيس عليه نفي كون المعصية علة موجبة لدخول النار فصحت قضيتنا (إدخال العاصي النار ليس بواجب على الله تعالى) من طريق الشرع أيضاً.