ومع هذا لم يرو البخاري هذا الحديث بهذا السند وحده، وعن هذا الطريق فحسب -وإن فيه لغناء وكفاية- بل روى معناه عن عائشة بأكثر من طريق.
ولم يرو ذلك عن عائشة وحدها من نساء النبي صلى الله عليه وسلم بل روى البخاري ذلك عن ميمونة أيضا، وليس البخاري وحده هو الذي روى حديثي عائشة وميمونة رضي الله عنهما، بل خرجتهما جميع كتب السنة ودواوينها المتقدمة منها والمتأخرة لإجماع أهل العلم على صحتهما وتلقيهما بالقبول.
ولعمري لئن كان مثل حديث عائشة -بسنده الذي ذكرناه- منكرا ومفترى كما يزعم هذا الزاعم الجريء، لكان هذا الدين باطلا، وكانت السنة كلها وهما، وكان تاريخ هذه الأمة زورا، وكان تراث هذه الأمة خرافة كبيرة، وكان أئمة هذا الدين وهذه الأمة أكبر دجاجلة عرفهم تاريخ الأديان والشعوب.
ولقد زعم الكاتب في مستهل كلامه أنه لا يتهم أبا هريرة ولا البخاري بصنع الأحاديث. والحق أنه لم يتهمهما وحدهما، بل اتهم معهما سائر علماء الإسلام وحملة رسالته، في القرون الأولى التي هي خير القرون، واتهم الأمة كلها بالغباوة والغفلة والجهل، حيث تقبلت هذه الأحاديث بضعة عشر قرنا بقبول حسن. وأثنت على رواتها، وخلعت عليهم وصف الإمامة في الدين، حتى جاء الكاتب النحرير، فوصفهم بما يستحي من ذكره.
لقد سئل القاضي أبو يوسف: أتقبل شهادة رجل يسب السلف الصالح؟ فقال: لو عرفت رجلا يسب جيرانه ما قبلت شهادته، فكيف بمن يسب أفاضل الأمة؟
أقول: فكيف بمن يسب الأمة كلها، ليأتي على دينها من القواعد، لتقر أعين المبشرين والمستشرقين والشيوعيين؟! اللهم لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا.
ولندع حديث عائشة إلى الحديث الثاني الذي استند إليه الكاتب في الطعن على الإمام البخاري وجامعه الصحيح. ساقه كما يلي. قال:
يقول الله تعالى في سورتي النساء والمائدة في حكم الطهارة من الجنابة: (… أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) إلى آخر الآية. ويقول البخاري: إن رجلا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء. فقال له عمر: لا تصل. ولو احترم الأستاذ أمانة العلم واحترم عقول الأمة التي تنشر فيها هذه المجلة ما اجترأ على هذا الادعاء، فإن الحديث بهذا اللفظ الذي ذكره لم يروه البخاري في صحيحه قط مع أن عبارته… (ويقول البخاري… الخ) تشعر أنه قرأ الحديث في البخاري فأي كذب على الحقيقة، وتزوير على الناس أكثر من هذا؟
ومع هذا نرخي العنان للكاتب المتعالم، ونتطوع بالجواب عن الحديث، فقد رواه إمام آخر لا يقل عن البخاري في علمه وفضله ودينه هو مسلم في صحيحه.
والخطأ الكبير الذي سقط فيه مفتي "العربي" هنا بتعجله واقتحامه وتحيزه، زعمه أن آية (… أو لامستم النساء… ) الخ نص في حكم الطهارة من الجنابة، فإذا أورد البخاري عن عمر ما يخالفها كان ذلك حديثا منكرا ومفترى.
ولو تريث الأستاذ وتبين -لو كان من هدفه التبين- لعلم أن الملامسة "كالمباشرة" ليست نصا في الجماع، بل تدل عليه بطريق الكناية والمجاز لا الحقيقة اللغوية. وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك، فإن ابن عباس يرى أن الملامسة في الآية معناها الجماع، وقد أخذ بمذهبه أبو حنيفة وأصحابه. وعمر وابنه عبد الله وابن مسعود يفسرون الآية على ظاهرها وحقيقتها اللغوية، وقد أخذ بمذهبهم من يقول بأن لمس المرأة ينقض الوضوء. قال ابن كثير: وهو قول الشافعي وأصحابه، ومالك، والمشهور عن ابن حنبل. ولكل من الفريقين أدلة ليس هذا موضع ذكرها إنما الذي يهمنا هنا أن الآية ليست نصا في حكم الجنابة كما أوهم الكاتب المتقول بما لا يعلم.
وقول عمر لمن أجنب ولم يجد الماء (لا تصل) اجتهاد منه، وهو مخطئ في اجتهاده، ومعذور، بل مأجور أجرا واحدا، وليس عمر بالمعصوم من الخطأ، وليس هو أول من أخطأ من الصحابة في اجتهاده، وليست هذه أول خطأة له، فقد عد له ابن حزم جملة أحكام أخطأ فيها أو نسي ما ورد فيها من سنة حتى يذكره غيره من الصحابة، فيتذكر أو لا يتذكر.
فهل يعيب البخاري، أو مسلما، أن يسجل لنا في صحيحه رأيا لعمر -وإن ظهر خطؤه- فينقل لنا بأمانة العالم صورة صحيحة للاجتهاد الإسلامي في ذلك العصر المبكر؟
أما أن هذا والله لمأثرة تحمد للبخاري ومسلم، لا مأخذ يعابان به، ويذمان عليه. وما أحسن ما قال البحتري:
إذا محاسني اللاتي أدل بها كانت ذنوبي، فقل لي كيف أعتذر؟
ولا يفوتني أن أسجل هنا على الكاتب المتهجم أمرا معيبا حقا، فقد قال في فاتحة حديثه "لست أقول عن حديث ما، إنه ضعيف أو موضوع، لمجرد أنه لا يتفق مع العقل والمنطق فحسب بل لأن ذلك رأي كثير من الأئمة والفقهاء القدماء والمحدثين على السواء أمثال ابن تيمية، والقسطلاني، والذهبي، والبيهقي، والطبراني، والدارقطني، والهيثمي، والعراقي، والسيوطي، والعسقلاني، وغيرهم".